تبدو الطريق إلى تهويد كامل القدس المحتلة معبّدة أكثر من أي وقت مضى هذه الأيام، فالموقف العربي متواطئ ومشارك في الجريمة، والحالة الفلسطينية متردّية للغاية، وقبل كل ذلك نجوم اليمين المتطرف يحتلون معظم مقاعد حكومة الاحتلال الإسرائيلية و(الكنيست).
ورغم أن (نفتالي بينيت) وزير التربية والتعليم الإسرائيلي لم يأت بجديد عندما سعى إلى منع قانون الاستفتاء على تقسيم القدس، إلا أنه يبدو مغازلاً لجمهور اليمين الانتخابي، مستفيداً من نافذة الفرص الذهبية التي يمنحها العرب مؤخراً للاحتلال كي يصادر القدس القديمة .
وكان (بينيت) بدأ العمل على مشروع قانون أساس في (الكنيست) يحول دون إجراء أي استفتاء للرأي العام الإسرائيلي لتقسيم القدس ويشترط موافقة (80) عضو (كنيست) على أي قرار للانسحاب من الشطر الشرقي للقدس المحتلة.
يذكر أن القانون أسس الاستفتاء عام 2014 بمبادرة من (بينيت) يلزم موافقة (80) عضو (كنيست) على أي قرار للانسحاب من شرق القدس في إطار أي تسوية وإذا كانت نتيجة التصويت أقل من ذلك يمضون لاستفتاء عام.
وكتب (بينيت) على حسابه الخاص بتوتير: "السبيل الوحيد لتحقيق السلام الحقيقي هو التأكيد والتوضيح منذ البداية بأن القدس ليست للمفاوضات".
وتبدو القدس المحتلة مهددة بالكامل في عهد (ترامب) الرئيس الأمريكي الذي ألمح قبيل تولي منصبه لنقل سفارته إلى القدس وتراجع إلى حين، وفي ظل هجمة تهويد متسارعة جداً، ورغبة العرب في توثيق علاقاتهم مع (إسرائيل).
وإزاء ذلك، يؤكد د.جمال عمرو الخبير في شئون القدس والاستيطان أن فكرة المشروع الصهيوني مبنية على احتلال القدس لتجميع اليهود، وسبق ذلك تدشين مشاريع ضخمة عام 1925 قبل إقامة (إسرائيل) مثل (مطار اللّد-الجامعة العبرية-مستشفى هداسا).
ويضيف: "ظلت القدس صهيونياً من تجمع شتاتهم وهم يؤكدون ألا قيمة لإسرائيل بدونها والهيكل، وتوقعي أن المسألة لن تتوقف عند القدس بل ستطال فلسطين كاملة بزعم أنها لا تقسّم"، مشيراً إلى أن الاحتلال اختزل مساحة القدس من (124.6) كم إلى (1) كم، والتي أضحت تسمى بالقدس القديمة، وتشكل أقل من 1% من القدس، وهي جوهر الصراع الذي سيفجر الحرب الفاصلة والأخيرة.
ويحيط بالقدس القديمة والمسجد الأقصى وأسفله (101) كنيس يهودي وقد حوّل (نتنياهو) رئيس وزراء الاحتلال مؤخراً باب العامود ومحيطه إلى منطقة عسكرية مغلقة.
ويتابع عمرو:"باب العامود هو العمود الفقري لاقتصاد القدس القديمة وهو باب رئيس للقدس وهي رسالة من نتنياهو للفلسطينيين كي يغادروا في الوقت الذي يقيم الاحتلال مشاريع بـ2.6 مليار$ سماها وجه القدس على بوابة القدس الغربية وبها مراكز تجارية وفنادق ومؤسسات ومساكن".
سياسة متجددة
لا يجدي حقن الموقف العربي بلتر من (الأدرينالين) حتى ينتبه للقدس، فقد انتقلوا من خانة الصراع إلى مربع أصدقاء (إسرائيل) التي تبدأ شركة (العال) خاصتها تسيّر طائراتها فوق العربية السعودية.
وذكرت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أمس عن مصدر مطلع في حزب (البيت اليهودي) قوله إن المصادقة على مشروع القانون سيكون له تداعيات وانعكاسات سياسية جوهرية، فلسطينيًا سيتم تفسير القانون بأن (إسرائيل) وأدت فكرة إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
كما أن مشروع القانون يضع رئيس الحكومة الإسرائيلية، (بنيامين نتنياهو)، أمام تحديات تلزمه أن يفسر للمجتمع الإسرائيلي ومعسكر اليمين على وجه الخصوص سبب معارضته للمصادقة على مشروع القانون.
ويؤكد د. جورج جقمان المحلل السياسي أن مشروع (بينيت) وزير التعليم الإسرائيلي الذي يناهض تقسيم القس ليس الوحيد الذي يتقدم به عضو (كنيست) من اليمين الإسرائيلي في ظل حكومة أكثر تطرفاً منذ احتلال فلسطين.
ويضيف: "جدول أعمال حكومة الاحتلال واضح هم لا يريدون تسوية أو سلام مع الجانب الفلسطيني والهدف نهب وتهويد الأرض وزيادة الاستيطان وخاصةّ في القدس".
(نفتالي بينيت) لم يغرّد خارج السرب فالجوقة مكتملة تدعو لـ(أوشليم) موحدة لكنه التقط طرف الخيط بعد تراجع (ترامب) الرئيس الأمريكي عن نقل السفارة للقدس ووجد منبراً لمخاطبة القاعدة الانتخابية بعيداً عن أيديولوجيا وزراء حكومته.
ويتابع: "أعضاء اليمين في الكنيست أغلبية وسيؤيدون ما يطرحه بينيت والموقف الفلسطيني الرسمي لا يعارض التقسيم شرط أن تظل القدس العاصمة والموقف العربي يقترب من إسرائيل وعقبتهم الوحيدة القضية الفلسطينية".
وإذا كان الاحتلال خلال عقود من صراعه وحروبه مع العرب لا يفصح عن مخططه في تهويد كامل القدس فهو اليوم أمام واقع جديد يفتح شهيته لمصادرة كامل المدينة في وقت أصبح فيه العرب حلفاء وخرجت القدس من نطاق مطالبهم.