​عباس يفعّل "الخطوات القانونية" ضد غزة ويعطّلها مع الاحتلال

​غزة-أحمد الكومي

رفع رئيس السلطة محمود عباس سقف التحدّي مع قطاع غزة، وبدأ يشهر أخطر أوراقه التي تذهب بالعلاقة مع حركة حماس إلى مرحلة متطورة من الخلاف، لا توجد فيها خطوط رجعة، على أقل تقدير.

فمن جملة "الخطوات غير المسبوقة" التي هدد بها أبو مازن بدعوى إنهاء الانقسام، بدأ التلويح بخيار إعلان قطاع غزة "إقليما متمردا"، وفق ما نقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية عن مسؤول فلسطيني مقرّب من رئيس السلطة، الذي وصف هذا الخيار بأنه "يندرج في إطار الكفاح الذي يخوضه عباس ضد حماس، كجزء من الصراع الداخلي".

إعلان غزة إقليمًا متمردًا يعني، بحسب خبراء قانونيين، تنصّل السلطة من كل الاتفاقيات التي وقعتها مع المنظمات والمؤسسات المحلية والدولية في غزة، منذ تأسيسها، وما يترتّب على هذا القرار، من إغلاق مقرات هذه المؤسسات، ووقف مشاريعها، وتجميد أرصدتها المصرفية.

كما يفكّر عباس، وفق الصحيفة العبرية، بإعلان المجلس التشريعي غير قانوني، ورفع الحصانة عن جميع أعضائه، وإنشاء حكومة انتقالية خلال الطوارئ، مع أهمية العلم بأن هذا الإجراء يتطلّب لإقراره، مصادقة التشريعي بالدرجة الأولى.

المسألة المهم الإشارة إليها من البداية، أن السلطة الفلسطينية لم تعلّق بشكل رسمي على هذا الخيار التي تم تسريبه عبر وسيلة إعلام عبرية، كما امتنعت حركة حماس في غزة عن الرد عليه، مما يطرح احتمال أن يكون الأمر مجرد بالون اختبار، أو محاولة جسّ نبض لتقييم جدوى هذه الخطوة، وما يمكن أن يترتّب عليها، بدليل ما قاله المسؤول الفلسطيني لصحيفة (إسرائيل هيوم): "إنه من غير الواضح كيف يمكن التعامل مع هذا الإجراء على أرض الواقع، ومدى إمكانيتها في الدستور الفلسطيني والقانون الدولي"، إذا ما علمنا أن الإجراء سبق أن تمّ طرحه وتداوله عام 2008، بعد سيطرة حماس على غزة.

لكن الإجراءات القاسية التي اتخذها عباس في الأيام الأخيرة ضد غزة، تجعل من إعلان القطاع إقليمًا متمردا، خيارا حاضرا، يمكن الاستعانة به، بمعزل عن خطورته، خاصة مع التقاء خصوم أبو مازن في غزة، والإشارة هنا إلى تطور العلاقة بين حماس والنائب المفصول من حركة فتح، محمد دحلان.

المفارقة، أن توقيت طرح هذا الخيار وتداوله، يأتي مباشرة بعد قرار مركزية حركة فتح في الاجتماع الأخير لها في 25 مايو الماضي برئاسة عباس، وقف الخطوات القانونية ضد الاحتلال في المحافل الدولية، والتنازل عن شروط العودة للمفاوضات؛ بهدف السماح باستئناف التسوية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، بمعنى أن خطوات السلطة القانونية تعطّلت في مسار، وجرى تفعيلها في مسار العلاقة مع غزة، وهكذا يمكن تفسير أننا أمام حالة "دكتاتورية" استثنائية تمثّل سابقة فلسطينية.

فعودة الحديث عن إمكانية تبنّي هذا الإجراء، يمثل مخالفة وتجاهل صريح للأبعاد القانونية لوضع قطاع غزة، باعتباره أرضًا محتلة بموجب القرارات الدولية، عدا عن أنه يخالف القانون الأساسي الفلسطيني، لكونه يتعارض مع مصالح شعبنا المحاصر في غزة، والأهم أنه يمثّل خدمة مجانية للاحتلال، الذي يقطف ثمار الخلاف، في سلاله.

إن صمت السلطة لا يعني رفضها لإجراء إعلان غزة إقليما متمردا، فأمين مقبول، أمين سر المجلس الثوري السابق في فتح، قال في تصريح مقتضب لـ"عربي21" تعليقا على إجراء الإقليم المتمرّد، "إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة"، وبالتالي فإن المطلوب وطنيا هو أخذ هذه التسريبات وتدارسها على محمل الجدّ، بالطريقة التي يتم التعامل فيها مع مواقف الاحتلال وتهديداته، واستباق الخطوة بتشكيل حالة رفض وطني وتحشيد فصائلي ضد إجراءات السلطة، بما يتقاطع مع دعوة الدكتور خليل الحية، نائب رئيس حماس في غزة، أثناء لقائه بمنتدى الإعلاميين، الأحد الماضي، بتشكيل ما وصفها بـ "أكبر جبهة أو ورشة عمل وطنية؛ لتقييم المشروع الوطني".

ومن الأهمية بمكان أيضًا، إعادة طرح "شرعية عباس" للنقاش الوطني؛ لأن السبب الأكبر لما وصلت إليه الحالة الفلسطينية، هو القبول بتآكل شرعية أبو مازن، دون الاستمرار في محاولة تجديد الشرعيات. كما لابد من التحذير في سياق الأزمة، من أن خطوة إعلان غزة إقليمًا متمردًا تعني بالأساس تكريس الانفصال العملي لقطاع غزة، مع عدم إغفال تعزيز الخطاب الموجّه إلى الخارج، والحرص على "تعرية" عدم قانونية هذا الإجراء، ومحاولة الضغط على الجهات الدولية؛ لإبداء موقفها من إجراءات السلطة وأبو مازن ضد غزة.