كشف التقرير الحقوقي الذي نشرته مؤسسة "هيومن رايتس ووتش" حجم الخطر الذي يهدد الجزء الشرقي من مدينة القدس، التي ترى فيها السلطة الفلسطينية عاصمةً للدولة المستقلة التي تتطلع لها، بإعلانها عن أن 90 ألف فلسطيني يسكنون في منازل مهددة بالهدم من الاحتلال (الإسرائيلي)؛ بحجة عدم الترخيص.
وأوضحت المنظمة، في تقرير أصدرته حول هدم منازل الفلسطينيين في القدس، أن الاحتلال لم يُخصص لهم سوى 12% من مساحة الأرض لبناء المساكن، بينما خصصت في المقابل 35% من أراضي المدينة لبناء المستوطنات.
وأكدت المنظمة أن القانون الدولي المنطبق على القدس يحظر على الاحتلال تدمير الممتلكات "إلا للضرورة العسكرية"، "لكن الاحتلال ينتهك هذا الحظر منذ احتلاله للأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، دون محاسبة، وأن العائلات الفلسطينية هي التي تدفع الثمن".
وفي الوقت الذي يسعى فيه الاحتلال إلى جعل الفلسطينيين أقلية في شرق القدس من خلال مخططاته التهويدية، والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة، ما تزال السلطة تنشد العاصمة في هذا الجزء من المدينة، مما يضعها في واد غير الذي ترعى فيه (إسرائيل) مخططات الاستيطان وتشريد سكان المدينة المقدسة.
وهو ما أشارت إليه مؤسسة القدس الدولية بتأكيدها أن حكومة الاحتلال تعمل بشكل مكثف لتقليل الوجود الفلسطيني في القدس، حيث تستمر بهدم منازل ومنشآت الفلسطينيين بحجة عدم الترخيص.
وإضافة إلى ما سبق، فإن النائبان اليمينيان يهودا غليك وبتسالئيل سموتريتش كانا قد قدما إلى الكنيست مشروع "قانون القدس الكبرى" الذي ينص على ضم المستوطنات في محيط القدس وبيت لحم إلى السيادة الإسرائيلية، لتكون تحت نفوذ البلدية الإسرائيلية للقدس.
ويشار إلى أن أعداد المستوطنين زادت في المدينة المقدسة ضعفين ما كان عليها قبل احتلال الجزء الشرقي في عام 1967، حيث قال معهد أبحاث القدس الإسرائيلي إن عدد اليهود الذين أصبحوا يعيشون في القدس ارتفع من 197700 إلى 542 ألف يهودي، ينتشرون في جميع أرجاء المدينة المقدسة بشرقها وغربها.
وفي مشهد غير مسبوق، وفي جلسة خاصة من تحت حائط البراق، صوتت حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو على ما وصفتها "الخطة التطويرية"، بينما اعتبرتها الأطراف المقدسية بمنزلة الخطة التهويدية الأخطر منذ سنوات، والتي تنص على صرف ملايين الشواكل لإنشاء مشاريع تجذب السياحة وتغير البنية التحتية في المنطقة.
وفي المقابل، تبدو السلطة "مسترخية" في خطواتها اتجاه الخطط التهويدية التي ازدادت رقعتها وتطورت بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى (إسرائيل)، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة عن تقصيرها، بل يمتد إلى مشاركتها ولو بطريقة غير مباشرة في إنجاح تلك الخطط.
ويبدو واضحًا أن الخطوات الإسرائيلية أتت بمباركة أمريكية التي من المفترض أن ترعى المفاوضات المنوي عقدها، وهذا ما بدا في قرار أصدره الكونغرس الأميركي، ويقضي بإقامة مراسم احتفالية مشتركة ومتزامنة في 7 يونيو المقبل احتفالاً بما يسمى "يوم القدس"، في إشارة إلى احتلال المدينة قبل 50 عاماً.
واكتفت السلطة بإدانة المخططات التهويدية التي تستهدف شرق القدس، ووفق وزارة الخارجية فيها فإن تمادي حكومة نتنياهو يقوّض فرص تحقيق حل الدولتين، معتبرة أن اكتفاء المجتمع الدولي ببيانات الإدانة يعتبر غطاءً للتمادي في حسم قضايا الوضع النهائي، بينما تناست الخارجية أن السلطة التي تتبع لها لا تفعل شيئًا حيال المخططات الخطيرة، سوى الإدانة.
وفي تفاصيل ذلك، قال صالح الشويكي رئيس لجنة الدفاع عن أراضي القدس، إن ما كشف عنه تقرير "هيومن رايتس ووتش" يعني على أرض الواقع أن 70 % من منازل شرقي القدس مهددة بالهدم في أي لحظة، بحجة عدم الترخيص.
وأكد الشويكي، في اتصال هاتفي مع "الرسالة"، أن السلطة تتواطأ في تسريب أراضي شرقي القدس للاحتلال، من خلال أجهزتها الأمنية التي تعطي شهادات تزكية للتجار الذين يشترون الأراضي من المواطنين وينقلون ملكيتها لاحقًا للاحتلال.
وفي الناحية السياسية، قال المختص في الشأن (الإسرائيلي) أحمد عوض إن قيادة الاحتلال الاسرائيلي تسعى إلى فرض أمر واقع في مناطق شرق القدس قبيل الذهاب إلى أي جولة مفاوضات قد تفرضها الإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة.
وأوضح عوض، في اتصال هاتفي مع "الرسالة"، أن المخططات التهويدية تمثل أبرز الملفات التي تلقى ترحيبًا واهتمامًا من كل التكتلات الحزبية في (إسرائيل)، أي أنها تنفذ بدعم سياسي وأمني لا يملكه أي ملف آخر.
وأشار إلى أن بقاء رد الفعل الفلسطيني بهذه الصورة الهزيلة في المرحلة المقبلة، يعني أن مزيدًا من المخططات التهويدية ستنفذ، وتُفرض سياسيًا على القيادة الفلسطينية في جولات المفاوضات المقبلة.
على أي حال، فإن السلطة كانت سابقًا تفاوض على شرق القدس بدلًا من المدينة كلها كعاصمة لفلسطين، بينما اليوم ستكون مضطرة للتفاوض على أجزاء من شرقي القدس كعاصمة، ومع مرور الأيام قد لا تجد السلطة ما تفاوض عليه بشأن مستقبل المدينة.