يبدو إعلاميا أن السلطة الفلسطينية تدعم إضراب الأسرى الذي يتزعمه القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي، إلا أنه من الناحية العملية ترى السلطة أنه جاء في الوقت الخطأ بالنظر لتزامنه مع زيارة مرتقبة للرئيس محمود عباس إلى العاصمة الأمريكية للقاء الرئيس الجديد دونالد ترامب مطلع الشهر المقبل.
وكما تتخوف السلطة ورئيسها محمود عباس من نجاح الإضراب، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الجمهور الداعم للبرغوثي، بصفته منافسا للرئيس عباس على قيادة السلطة والحركة، وكذلك الأمر أيضا في حال تعرض البرغوثي لأي أذى نتيجة الإضراب.
وكان 1500 أسير فلسطيني غالبيتهم من حركة فتح قد أضربوا عن الطعام منذ أسبوع، احتجاجا على التعامل السيء من مصلحة السجون (الإسرائيلية)، مطالبين بتنفيذ عدد من المطالب المتعلقة بتحسين ظروف اعتقالهم، وزيارة عائلاتهم لهم، والتواصل معهم.
(إسرائيل) التي تتابع عن كثب إضراب الأسرى، وترتيبات زيارة عباس إلى واشنطن، ترى في استمرار الإضراب حتى موعد الزيارة أنه قد ينشأ أزمة حقيقية، لأن الأمور ستصبح أكثر تعقيدا.
وبحسب الكاتب (الإسرائيلي) في صحيفة هآرتس عاموس هرئيل فإنه رجح نشوب مظاهرات ونقل المضربين عن الطعام إلى العلاج، وإمكانية لجوء إسرائيل إلى التغذية القسرية، إضافة إلى احتمال وفاة بعض الأسرى؛ وكل هذه الأحداث المتوقعة كفيلة بإشعال الأراضي الفلسطينية.
وهنا النقطة الأهم، والمتمثلة في تحرك الشارع الفلسطيني دعما للأسرى، على شكل هبة جماهيرية التي بدأت فعليا بمسيرات محدودة في عدد من مناطق الضفة، مما يضع الرئيس عباس في موقف محرج أمام القيادة الأمريكية، فلا هو الذي جاء بغزة راكعة تحت ضغط الأزمات التي هدد بها علانيةً، ولا بالضفة الهادئة، والراغبة في السلام.
ووفقا لمصادر من داخل سجون الاحتلال، فإن عددا لا بأس به من أسرى حركة فتح لم يشاركوا في الإضراب، وهذا ما قد يعود لسببين أنهم يرون فيه مصلحة شخصية للبرغوثي، وإما أن يكون حفاظا على علاقتهم مع الرئيس عباس الذي يعرفون موقفه الحقيقي من أي خطوة تتخذ بدون الرجوع إليه.
وفي موقع "أن آر جي" كتب الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية آساف غيبور، يقول إن التضامن الذي تبديه السلطة الفلسطينية مع إضراب الأسرى يخفي وراءه صراعا حقيقيا وجادا بين البرغوثي وعباس، عقب الإهانة التي وجهها الأخير للأول بإقصائه من المواقع القيادية المتقدمة في حركة فتح.
وبناءً عليه، فإن البرغوثي يرى في هذا الإضراب معركة مصيرية له في مواجهة عباس، وليس أمامه إلا النجاح فيها، لإثبات قوته أمام حالة الإقصاء التي تعمد الرئيس عباس وضعه فيها خلال الانتخابات الأخيرة للحركة، والتي وصفتها زوجة البرغوثي بـ "الاغتيال السياسي" بعد إستبعاده من المناصب القيادية وكذلك الحال مع كل الشخصيات المقربة منه.
وفي التعليق على ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح عبد الستار قاسم إن الرئيس عباس يتخوف من أي حركة يمكنها زيادة رصيد أسهم البرغوثي في الإطار الوطني ككل، وعلى صعيد حركة فتح على وجه الخصوص.
وأوضح قاسم في اتصال مع "الرسالة" أن السلطة وحركة فتح تدعمان الإضراب إعلاميا، وبدأت تحرك مسيرات ميدانية وفعاليات صغيرة دعما له، حتى لا تقع في إحراج أمام الجمهور الفتحاوي، بأنها تركت الأسرى لوحدهم في إضرابهم، إلا أنها سياسيا لم تفعل أي إجراء أو فعالية على المستويين الإقليمي والدولي لدعم المطالب المشروعة للأسرى المضربين عن الطعام.
وأشار إلى أن الرئيس عباس لا يريد أن يُعكر أجواء زيارته إلى واشنطن التي يبني عليها أحلاما كبيرة، أي حراك شعبي حقيقي وهذا ما قد يحصل في حال استمرار الإضراب لفترة أطول، قد تتزامن مع بدء الزيارة لواشنطن، بالنظر إلى أن الضفة على صفيح ساخن نتيجة ممارسات الاحتلال العدوانية طيلة الأشهر الماضية.
على أي حال، تشير التقديرات إلى أن السلطة غير معنية بالإضراب الحالي الذي من شأنه أن يؤثر على الوضع السياسي المتوقع تحسنه على إثر زيارة عباس لواشنطن من جهة، ومن أخرى أن يدعم نجاح الإضراب البرغوثي على حساب عباس في معركة الخلافة على قيادة فتح والسلطة.