من المقرر أن يطير الرئيس محمود عباس بداية مايو المقبل إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ من أجل التباحث في محاولة إنعاش التسوية، وإعادة الاتصالات واللقاءات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، بعد جولة وساطة قادها مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، الذي يطمح إلى إنجاز "صفقة القرن"، وهو التعبير الجديد الذي أطلقه من واشطن، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ويشير إلى تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وتسوية القضية الفلسطينية.
ولا غرو من القول إن هذه الزيارة المرتقبة، بمعزل عما يمكن أن ينتج عنها، شكّلت منفسا للرئيس عباس من ضيق الجمود والركود الطويل لمشروع التسوية واتصالاتها المتوقفة، مقابل التغوّل الإسرائيلي واللامبالاة لكل المبادئ والاتفاقات السابقة، والتجاهل المقصود لكل شروط العودة إلى طاولة المفاوضات، جعلته يشعر بنشوة سياسية رأيناها على شكل "تهديدات غير مسبوقة" ضد قطاع غزة المحاصر، ضمن طقوس إظهار الولاء للملك، والإمضاء على الشروط قبل قراءتها.
تؤكد هذه الزيارة، التي سافر وفد فلسطيني رفيع إلى واشنطن للتحضير لها، ألا محددات سياسية أو استراتيجية واضحة أو حتى ثوابت لدى الرئيس عباس، بدليل أنه تراجع عن شروطه السابقة لاستئناف التسوية، والتي تتعلق بالإفراج عن الدفعة الرابعة والأخيرة من أسرى ما قبل أوسلو، ووقف الاستيطان، ومرجعية دولية لعملية السلام، بل كان استسلاميا لدرجة أنه عرض بصيغة استجداء لقاء "السيد نتنياهو" دون وسيط، حين قال: "أريد أن ألتقي نتنياهو، لكنه يرفض لقائي".
والمفارقة، أن نتنياهو لم يكتف بالرفض، إنما واصل أسلوبه اليميني المتطرف، في إرسال إشارات على رفضه الحلّ، ووضع العقبات عند بداية كل طريق يجري شقّه وتعبيده لتسوية جديدة، فنجد أنه استبق إقلاع طائرة الوفد الفلسطيني إلى واشنطن، ليطالب السلطة، في اليوم نفسه وعلانية، بوقف المخصصات التي تُدفع للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، واعتبر هذا المطلب "اختبار سلام"، من الأفضل أن يجتازه الفلسطينيون!
ولم يكن الوسيط الأمريكي أقل فظاظة من نتنياهو حين حاول أن يظهر الحيادية بالطلب من الحكومة الإسرائيلية عدم إضافة مستوطنات جديدة، والسماح بتوسيع القائمة، مقابل الطلب من أبو مازن "الالتزام بحلّ الدولتين على أن يتم تنفيذه في غضون عشر سنوات"، تطبيقا لاستراتيجية اليمين الصهيوني بمطّ المفاوضات لسنوات؛ حتى لا تبقى أرض يتم التفاوض عليها، تحت زحف الاستيطان.
هذه الشروط، والتراجع غير المبرر من أبو مازن، يضع مائة قفل على الأبواب التي سبق أن قال صائب عريقات، إنها "لم تغلق بعد للإفراج عن الدفعة الرابعة"، في تصريح له نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية عام 2014، بعد مرور يوم واحد على الموعد المقرر للإفراج عنهم، مع العلم أن عريقات على رأس الوفد المتواجد في واشنطن لبحث استئناف التسوية !
على ضوء ذلك، فإنه حريّ بالأسير كريم يونس أن يتوقف عن التفاؤل؛ لأن شرط الإفراج عنه سقط عند أول برقية دعوة لزيارة البيت الأبيض، وهو من أقدم الأسرى في العالم، والمعتقل منذ عام 1983، مع أهمية التذكير بأن الدفعة الرابعة تتضمن 30 أسيرا، منهم 14 أسيرا من الداخل الفلسطيني، وهم الأقدم في السجون، وكان مقررا الإفراج عنهم ضمن اتفاق بين السلطة و(إسرائيل)، برعاية أمريكية، يقضي بأن تطلق الأخيرة سراح الأسرى الفلسطينيين المحتجزين قبل أوسلو، على أربع دفعات، مقابل أن تمتنع السلطة عن التوجه للانضمام الى المنظمات الدولية بعد حصولها على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
إن الاعتذار الذي طلبه الرئيس عباس من بريطانيا، كان الأصل أن يُطلب من أسرى الدُفعة الرابعة، على خطيئة سياسية لا تقل عن خطيئة بلفور، إلا أن الاعتذار ليس حلا عندما يتكرر نفس الخطأ، وهذا ما حصل مع إضراب الأسرى الذي يدخل يومه الثامن، حين أرسلت السلطة إلى مروان البرغوثي، رسالة تطالبه فيها بوقف الإضراب، الذي يدافع عن قائمة "مطالب إنسانية" لـ 6500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال.