يزداد المشهد السياسي والإنساني والاقتصادي في قطاع غزة تعقيداً عقب الحرب التي أعلنها رئيس السلطة محمود عباس على القطاع دون مقدمات، بما سماه إجراءات حاسمة وغير مسبوقة تهدف إلى بسط سيطرته على غزة الذي يعتبره خارج نطاق سيطرته ونفوذه منذ أحداث العام 2007.
حرب إعلامية تشنها قيادات عديدة في السلطة وحركة فتح منذ بداية الشهر الجاري ضد غزة تحمل كثيرًا من التهديد والوعيد للقطاع إذا لم تقبل حركة حماس بشروط الرئيس للمصالحة وتمكين حكومة الحمد الله والتي تتمثل بحل اللجنة الإدارية التي شكلتها لتسيير أمور القطاع والسماح بعودة الموظفين وتسليم المعابر والوزارات بالكامل.
وقد رمى د. خليل الحية نائب رئيس حركة حماس في القطاع خلال مؤتمر صحفي الثلاثاء الكرة في الملعب الفتحاوي، حينما طالب حكومة الحمد الله بالبدء الفوري في ممارسة عملها بالقطاع، وهو ما ردت عليه الحكومة سريعاً بجهوزيتها لذلك، كما أن قيادة فتح أعلنت أنها في انتظار رد حماس على شروط الرئيس للمصالحة، في خطوة الهدف منها قذف كرة اللهب مجدداً في وجه حماس.
وأمام هذه الحالة المرتبكة يبقى الملعب الفلسطيني رهينة الفريقين الأقوى "فتح وحماس"، في حين تجلس معظم الفصائل على مدرج الجمهور، ورغم إشراكهم واستدعائهم لاتخاذ موقف واضح من الأزمة الراهنة إلا أن التجارب السابقة لا تدفع تجاه التفاؤل أو التعويل كثيراً على مهارات الفصائل السياسية التي التزمت الصمت ونأت بنفسها خلال محطات مفصلية عديدة مرت بها لعبة المصالحة.
وتكمن الأزمة الحقيقية في عجز الفصائل التي تعاني من حالة الانقسام ذاتها التي تعيبها على فتح وحماس خاصة أنها لا تحمل مواقف واضحة وتختلف فيما بينها في الرؤى والآليات في كثير من الملفات الفلسطينية ومنها المصالحة.
تكمن الأزمة الحقيقية في عجز الفصائل التي تعاني من حالة الانقسام ذاتها التي تعيبها على فتح وحماس خاصة أنها لا تحمل مواقف واضحة وتختلف فيما بينها في الرؤى والآليات في كثير من الملفات الفلسطينية
ورغم إجماع الفصائل على ضرورة الحوار الوطني الشامل إلا أن الاختلاف ظهر في مواقفها المتباينة. ففي حين صرحت حركة الجهاد الإسلامي على لسان القيادي فيها محمد الهندي أن السلطة تسعى إلى تضييق الخناق على غزة، إرضاءً للإدارة الأمريكية الجديدة في محاولة للعودة للمفاوضات، دعت فصائل أخرى مثل الجبهة الديمقراطية حركة حماس إلى حل اللجنة الإدارية وتمكين الحكومة من العمل.
وطوال عشر سنوات من الانقسام بقيت الفصائل طرفًا ثانويًا في عملية المصالحة رغم مشاركتها في عديد من اللقاءات والحوارات الثنائية خاصة في القاهرة وقطاع غزة واقتصار دورها في كثير من الأحيان على الدعوات والمبادرات دون القدرة على إلزام الطرفين بها، لذا من الصعب التعويل عليها كطرف ضامن في أي لقاءات أو اتفاقات قادمة وذلك لعدة أسباب:
الأول: عدم قدرة الفصائل على تشكيل مجموعات ضغط على طرفي الانقسام "فتح وحماس" نتيجة اختلافها فيما بينها في الرؤى والمواقف السياسية والعديد من الملفات الفلسطينية، وتلعب العوامل الفكرية والأيديولوجية عنصرًا قويًا في هذا الاختلاف.
الثاني: ارتباط بعض الفصائل مثل اليسار بمنظمة التحرير ما يجعلها أقرب لحركة فتح، شريكتها في الرؤية السياسية فيما يتعلق بعملية التسوية.
الثالث: ضعف تمثيل هذه الفصائل مقارنة بحركتي فتح وحماس اللتين تمثلان الجزء الأكبر جماهيرياً، ما يفقدها القدرة الحقيقية على ممارسة دور ضاغط وحقيقي.
الرابع: فقدان أدوات القوة والضغط الحقيقي على فتح وحماس نتيجة تركز معظم الملفات وأوراق القوة في يد الحركتين الكبيرتين وبالتالي تبقى هذه الفصائل مجردة من أسلحة العمل السياسي الفاعل والمؤثر.
الخامس: عدم امتلاكها الجرأة اللازمة للخروج بمواقف حاسمة من القضايا الخلافية حيث تفضل دائما المحافظة على مسافة متقاربة من طرفي الخلاف، خاصة أنها تخشى العقوبات التي قد تطالها مثلما جرى مع الجبهة الشعبية التي قطع أبو مازن مخصصاتها من منظمة التحرير حينما حملته مسؤولية أزمة الكهرباء في غزة.
ولا يمكن تجاهل أن الفصائل الفلسطينية لم تنجح في تشكيل لوبي ضاغط فيما يتعلق بملف المصالحة ولم تتمتع بالجرأة الكافية طوال عشر سنوات من الانقسام لتتخذ موقفًا حاسمًا من حالة الانقسام والطرف المعطل الحقيقي في معظم الاتفاقيات وكانت تفضل الصمت واللعب على وتر الانقسام.
وتمثل مطالبة الفصائل حركة حماس نزع الذرائع حول حل اللجنة الإدارية التي شكلتها مؤخرًا لإدارة غزة، والترحيب بحكومة الحمد الله لاستلامها جميع المهام المناط بها بالقطاع، التفافًا على الأزمة الحقيقية التي تتمثل في رفض الحكومة القيام بواجباتها اتجاه القطاع منذ ثلاث سنوات والتنكر للوزارات والموظفين في غزة في مخالفة لاتفاق الشاطئ، وهو موقف يعكس حالة الخوف والتهرب من توجيه انتقادات لحركة فتح وتحديداً أبو مازن.
القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هاني ثوابتة أكد أن المطلوب من الفصائل أن ترتقي في جهدها والا يقتصر دورها على المبادرات المنفردة، لتشكل صوتًا واحدًا يأخذ بعين الاعتبار التئام الجميع على طاولة حوار واحدة لمعالجة جميع القضايا الوطنية ومن ضمنها الانقسام السياسي.
طوال عشر سنوات من الانقسام بقيت الفصائل طرفًا ثانويًا في عملية المصالحة رغم مشاركتها في عديد من اللقاءات والحوارات الثنائية خاصة في القاهرة وقطاع غزة
واعتبر أن الملف الهام يكمن في الاتفاق على إعادة الاعتبار للمشروع الوطني والاتفاق على برنامج سياسي يراعي الحد الأدنى من القواسم المشتركة ومن ثم الانطلاق نحو القضايا الثانوية.
ولفت ثوابتة إلى أن المطلوب هو تضافر جهد الفصائل مع المؤسسات والنخب والشخصيات المستقلة لأن الموضوع لا يخص الفصائل وحدها حيث يجب أن تتضافر هذه الجهود لاستعادة الوحدة.
ودعا "أصحاب الرأي السديد" في حركتي فتح وحماس إلى ممارسة ضغط حقيقي داخل فصائلهم للدفع باتجاه إنهاء الانقسام.
وقال القيادي في الجبهة الشعبية: "الأساس عدم الذهاب مجددًا للثنائية، وهنا نثني على موقف حماس الذي ينسجم مع الموقف الوطني في أن يكون الجميع شريكًا على طاولة البحث حتى لا نعود لحالة التقاسم والمحاصصة".
عديد من اللقاءات الوطنية التي جرت سابقاً ولم يتم تطبيقها، التزمت الفصائل بعدها الصمت ولم تعط موقفًا واضحًا حول الطرف المعطل فيها، وفي هذا الجانب شدد ثوابتة على أن اللقاءات السابقة كانت تحتاج إلى خارطة طريق لترجمة ما يتم الاتفاق عليه، حيث يتم التوافق على القضايا الجوهرية دون الخوض في التفاصيل، لذا تبقى الآليات غير محددة والمطلوب وجود آليات تطبيق وحمايتها من الفصائل لتشكل صمام أمان للاتفاقات حتى لا تبقى رهينة الطرفين.