قائمة الموقع

مجزرة الرواتب والمواجهة القادمة مع (إسرائيل) وكيفية تجنبها

2017-04-13T07:12:03+03:00
د. صالح النعامي

هناك ما يبعث على الاشتباه بأن قرار رئيس السلطة محمود عباس تقليص رواتب موظفي السلطة الغزيين جاء ضمن منظومة إجراءات تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية، ليس بالضرورة أن تكون قيادة السلطة صاحبة اليد الطولى في بلورتها.

فعباس أعقب مجزرة الرواتب التي أقدم عليها بتهديد واضح بسلسلة من الإجراءات الأخرى ضد غزة في حال لم يتم تسليم الوزارات والمؤسسات الحكومية في قطاع غزة لحكومة رام الله، إلى جانب حل اللجنة التي شكلتها حركة حماس لإدارة شؤون القطاع.

علينا أن نلاحظ أن هذا التصعيد المفاجئ جاء قبيل موعد زيارة عباس لواشنطن، وهي الزيارة التي طالما حلم بالظفر بها، على اعتبار أن موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فتح قناة اتصال معه يضفي شرعية على مكانته، بعد أن دب الخوف في أوصاله من دلالات تعمد ترامب تجاهله وعدم الرد على برقية التهنئة التي أرسلها له، كما فعل مع الآخرين، حيث خشي أن يكون سلوك الرئيس الأمريكي الجديد ضمن ترتيب مع الصهاينة.

إن عباس الذي يعي أن الشراكة في الحرب على "الإرهاب" هي البضاعة الأساسية التي يبحث عنها ترامب، اختار أن يقدم لساكن البيت الأبيض الجديد المزيد من الأدلة على عمق التزامه بالمشاركة في هذه الحرب من خلال الإثقال على حركة  "حماس"، التي تعد "تشكيلا إرهابيا"، وفق التصنيف الأمريكي الرسمي.

وقد تتعاظم دافعية عباس لتشديد مواقفه ضد حماس في أعقاب لقائه بترامب، الذي يروج لما يصفه بـ "صفقة القرن"، والمتمثلة في تسوية الصراع بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني.

لكن إجراءات عباس ضد غزة قد تسمح أيضا بإرساء بيئة أمنية واقتصادية واجتماعية تساعد على منح (إسرائيل) المسوغات لشن حرب جديدة على قطاع غزة.

فتقليص رواتب موظفي رام الله سيفاقم من خطورة الأوضاع الاقتصادية، وقد يفضي إلى تقليص قدرة حكومة غزة على الوفاء بدفع نسبة الـ 40% من الراتب لموظفيها. فتدهور الأوضاع الاقتصادية سيفضي إلى تراجع معدلات الاستيراد مما  يعني تقليص القدرة على جباية الضرائب التي توظف عوائدها في تسديد جزء من الراتب لكل موظف من موظفي حكومة غزة، إلى جانب جملة من التداعيات بالغة الصعوبة.

وهذا سيمثل وصفة لانفجار الأوضاع، حيث سيكون من السهل على الجماعات التي تطلق القذائف الصاروخية على محيط القطاع بشكل استعراضي استدراج حماس إلى مواجهة جديدة، حيث أن (إسرائيل) سترد، كما تفعل دائما، بضرب أهداف لحماس تم تحديدها مسبقا، وهذا سيمثل المسار الذي سيفضي إلى إضفاء شرعية على قرار (إسرائيل) شن الحرب القادمة.

وبالمناسبة، ليس من المستبعد أن يكون استدراج حماس لمواجهة حاسمة هدف أيضا للولايات المتحدة وأطراف إقليمية، على اعتبار أنه سيتم تقديم حركة حماس كمصدر لإعاقة التوصل لـ "صفقة العصر"، التي يروج لها ترامب؛ على الرغم من أن أحدا في (إسرائيل) أو في السلطة لا يبدي تفاؤلا إزاء فرص تحقيق هذه الصفقة، بسبب الهوة الواسعة التي تفصل (إسرائيل) عن كل من السلطة والعالم العربي.

من هنا، يتوجب على حماس التي تعي طبيعة التحديات وعمق التربص بها أن تتحلى بالوعي السياسي لتجاوز المرحلة، وأن توافق على حل اللجنة المكلفة بإدارة شؤون القطاع وتسليم المؤسسات لحكومة رام الله من أجل سد الذرائع أمام عباس ومن خلفه، مع العلم أن عباس غير جاد في توجهه ولا ينوي العودة للقطاع.

وهذا سيمكن حماس من رمي عصفورين بحجر واحد. فمن ناحية هذا السلوك سيقنع الرأي العام الفلسطيني أنها غير مسؤولة عما آلت إليه الأمور وأنها تجاوبت إلى أقصى حد مع عباس. وفي حال تبين، وبعكس التوقعات، أن عباس جاد في مخططه، فإن هذا يعني أن تتخلص حركة حماس من كوة النار التي في يديها والمتمثلة في حكم القطاع.

على حماس أن تشتري الوقت وتحاول تفويت الفرص على هذه المؤامرات، فهناك أساس للاعتقاد بأن تحولات إقليمية وداخلية قد تطرأ في غضون وقت ليس بالطويل ستصب بعضها لصالحها، كما أنها لن تكون في صالح (إسرائيل) وقيادة السلطة والأطراف الإقليمية المعنية باستئصال الحركة ووجودها.

فاستقرار أنظمة الحكم في المحيط، التي توفر لـ(إسرائيل) هامش مناورة كبيرة في التعاطي مع حماس، غير مضمون على الإطلاق. ولا حاجة للقول إن حدوث تحول مهما كان على البيئة الإقليمية سيغير الواقع رأسا على عقب وسيقلب سلم الأولويات الصهيوني، ويقلص مكانة غزة في دائرة الأولويات الصهيونية، ويزيد من وطأة القيود على خيارات استخدام القوة ضد القطاع.

لا داعي لليأس من إمكانية حدوث التحولات الإقليمية والداخلية التي تعيد بلورة بيئة الصراع. وهنا يتوجب التوقف عند توقعات درور شالوم، رئيس لواء الأبحاث في الاستخبارات الصهيونية الذي توقع موجة تحولات أخرى قد تطيح بأنظمة أخرى في المنطقة.

وحتى لو لم تحدث مثل هذه التحولات، فإنه لا بديل من المناورة ومحاولة شراء الوقت.

اخبار ذات صلة