مجدداً، وبعد أيام من قرار السلطة خصم 30% من رواتب موظفيها في قطاع غزة، كرر الرئيس محمود عباس تهديده في مؤتمر سفراء السلطة في العالم، الذي أقيم في البحرين، الثلاثاء، بأنه سيتّخذ خطوات غير مسبوقة بشأن الانقسام، في الأيام القليلة المقبلة.
وفيما يترقب الجميع الموقف المقابل لحركة حماس، فإن من الأهمية بمكان استباق ذلك بقراءة السلوك السياسي الجديد للرئيس عباس، الذي يفسّره احتمالان، الأول شعوره بنشوة سياسية مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب، أو بعبارة أخرى استعادة موقعه في الشرعية الأمريكية. وازدادت هذه النشوة مع زيارته الأخيرة إلى مصر بعد قطيعة سياسية، وزيارة الرئيس المصري وملك الأردن إلى واشنطن، وبعد قمّة البحر الميت التي منحته دفعة بأهمية موقعه ودوره في العملية السياسية المقبلة، فترجم هذا الدور في ممارسة الضغط على حماس؛ في محاولة لإظهار قوته، وإخضاعها لتكون جاهزة للقبول بما يرتّب له الحراك الأمريكي الإقليمي، الذي يقوده مبعوث ترامب للشرق الأوسط، جيسون غرينبلات.
أما الاحتمال الثاني، وهو الأخطر، فينطلق من توجّه أبو مازن إلى الحفاظ على الحدّ الأدنى من استقرار السلطة، بعد انخفاض كبير في قيمة المساعدات الخارجية الممنوحة لها، وتوجيه بعض المانحين قنوات الصرف إلى قطاعات أخرى، وذلك من خلال فك الارتباط الإداري والمالي مع غزة، الذي هو مقدمة لفك الارتباط السياسي وعزل القطاع. ويفسّر ذلك شروطه الأخيرة لحماس، التي تنقلنا ضمنا إلى هذا الاحتمال.
ما سبق، يضع حماس أمام ثلاثة خيارات لمواجهة ردود عباس ضد قطاع غزة، التي ابتدأها بأزمة الرواتب، ثم قطع المخصصات الاجتماعية لمئات الأسر الفقيرة في غزة، التي ينفي المسؤولون عنها علاقتها بالسياق العام القائم، لكن توقيتها يدرجها جبرا ضمن الردود، إضافة إلى توقف إمدادات الوقود بفعل ضريبة السلطة، التي تلوّح بأزمة ثالثة ضمن أوراق الضغط التي يلعب بها الرئيس.
أولا: تراجع تكتيكي تقبل حماس بموجبه شروط أبو مازن، على قاعدة "سحب الذرائع"، وتحشيد الرأي العام والمواقف الفصائلية ضده، لتفويت الفرصة عليه في مخطط الفصل والعزل، الذي من الممكن أن يقود إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وتعميق الانقسام.
فالوضع المحلي في غزة لم يعد يحتمل مزيدا من الاستنزاف، ويضغط بقوة بهذا الاتجاه، إضافة إلى أن فواعل البيئة الإقليمية المؤيدة للحركة والداعمة لها، وبطء العلاقة والتفاعل معها على ضوء الانشغال الداخلي، والاهتمام بملفات خارجية أكثر أهمية، لا يخدم صمود حماس أكثر، وبالتالي يضطرها للقبول بتراجع تكتيكي يفوّت الفرصة على الجميع.
ويمكن اعتبار تصريح صلاح البردويل عضو المكتب السياسي لحركة حماس، قريبا من هذا الخيار، فقد قال خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع للفصائل الفلسطينية، أمس الأربعاء، إن اللجنة الإدارية التي شكّلتها لإدارة القطاع ستكون منتهية حال باشرت الحكومة الفلسطينية أعمالها في غزة؛ وفقاً لما تم الاتفاق عليه سابقاً"، علما أن أبو مازن كان قد اشترط تراجع حماس عن تشكيل هذه اللجنة.
ثانيا: محاولة الاعتماد على بعض الأطراف الإقليمية التي لها علاقة بالأزمة الفلسطينية، ونذكر منها قطر ومصر، وطلب العودة إلى دائرة المصالحة ضمن رزمة كاملة، ومحاولة سد الذرائع على السلطة بتعويض النقص المالي لديها، أو إيجاد بدائل للخروج من الأزمة الإنسانية الخانقة في قطاع غزة، من بينها فتح خطوط تجارية مع مصر، وهذا ما أشار إليه الدكتور محمود الزهار، رئيس كتلة حماس البرلمانية، في حديث لوكالة "الوطنية، أمس الأول الثلاثاء، حين قال إن حماس ستعمل مع مصر وبعض الدول العربية؛ من أجل فتح معبر رفح؛ لتعويض النقص الموجود في غزة.
ثالثا: الخيار الأكثر كُلفة، اعتماد "سيناريو الفوضى" بأن تواجه حماس الأزمة بأزمة مضادة، عبر قطع كل خطوط التواصل والتعامل مع السلطة، وتوجيه رسائل إلى الأطراف الإقليمية بأن الوضع في غزة لم يعد مقبولا، وأن استمراره يترتب عليه مخاطر كبيرة يمكن أن تقود إلى الانفجار الذي يحذّر منه ويخشاه الجميع، وأن تعلن الحركة عدم مقدرتها على إدارة الشأن في غزة، وانسحابها من متابعة المسائل الحياتية، وتحويلها إلى الفصائل أو الأمم المتحدة، أو حتى الجامعة العربية؛ ليقوم الجميع بدوره.
ما يجب الحذر منه، هو أن تمرير مخطط العزل يعني أن تقبل غزة مجبرة بإدارة ذاتية، بمساعدة أطراف دولية، وما يترتب على ذلك بشأن مستقبل القضية الفلسطينية، ما معناه: كيان في غزة أو دولة في الضفة بدون غزة.