فجرت مجزرة الرواتب التي ارتكبتها سلطة رام الله بقيادة رئيسها محمود عباس ورئيس الوزراء رامي الحمدالله بحق موظفيها المستنكفين بقطاع غزة أزمة شديدة الوطيس داخل الوسط الفتحاوي، فمنذ اللحظات الأولى لاكتشاف الموظفين الكمين المالي الذي نصبته لهم مالية رام الله داخل الصرافات الآلية للبنوك، بخصم ما يزيد عن 30% من الرواتب، اشتعلت الاحتجاجات بشكل كبير على هذا القرار، وبدأ المتضررون منه بتحميل الرئيس عباس والحمدالله المسؤولية عنه، مطالبين بإلغائه كونه يمس قوت صغارهم.
واختارت قيادة سلطة رام الله التزام الصمت في بداية الأزمة، إلا أن اتساع الرقعة الاحتجاجية دفعها إلى تبرير الجريمة المرتكبة بحق موظفيها بتصريحات غير مسؤولة تعبر عن حالة من التخبط والتهرب لما أحدثته من انقسام بين قيادة حركة فتح في قطاع غزة والضفة المحتلة.
وتزعم الحمدالله والرئيس عباس أبرز التصريحات الكاذبة والملفقة لتبرير افتعال "مجزرة الرواتب" والتي فندتها معظم الجهات الرسمية والفصائل الفلسطينية والخبراء والمحللون السياسيون والاقتصاديون، ليواصلوا كشف المؤامرة الخبيثة التي تنتهجها سلطة رام الله منذ عقد من الزمن على قطاع غزة.
وادعى رئيس وزراء سلطة رام الله رامي الحمدالله أن حكومة الرئيس عباس قد صرفت خلال العشرة أعوام السابقة من خزينتها على قطاع غزة ما يقارب 17 مليار دولار، مبرراً خصومات رواتب الموظفين بأن حكومته بدأت خطة تقشف على المصروفات منذ العام الماضي في الضفة الغربية وكان القطاع الأول الذي تم البدء به هو قطاع الأمن، حيث تم تخفيض نفقاته بمقدار 25%، بالإضافة إلى تخفيض ميزانيات عديد من القطاعات، "نظرًا لانخفاض نسبة المساعدات الخارجية بنسبة 70%، ونعاني أزمة مالية كبيرة"، وفق زعمه.
تصريحات الحمدالله السابقة التي جاءت يوم الجمعة الماضي، كذبتها معظم الفصائل الفلسطينية، واكتفى المحللون الاقتصاديون بتفنيدها عبر نشر الاحصائيات المالية الرسمية بما تنفقه السلطة على قطاع غزة وكمية الإيرادات المالية التي تعود لها من الضرائب المالية المفروضة على البضائع والمحروقات التي تدخل القطاع.
وأصدرت الجبهة الشعبية -عضو في منظمة التحرير-، بيانًا رداً على تصريحات الحمدالله قالت فيه "إن تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله والتي برر فيها المجزرة التي أقدمت عليها حكومة التوافق بحق رواتب موظفي القطاع تفتقد للمسئولية الأخلاقية والوطنية، وتعزز من سياسة التمييز بين أبناء الوطن والواحد، وتفقد الحكومة شرعيتها ومصداقيتها".
واعتبرت الجبهة تصريحات الحمدالله بخصوص ال 17 مليارًا على القطاع خلال عشر سنوات مجافية للحقيقة وغير دقيقة، "فهم يعتبرون غزة في نظرهم بقرة حلوبا تساهم بحوالي 50% من إيرادات المقاصة التي تحصل عليها السلطة، وبالتالي تجني السلطة أموالاً طائلة من القطاع أما استفادة القطاع فهي محدودة جداً".
وكذبت حركة الجهاد الاسلامي تصريحات الحمدالله عبر عضو مكتبها السياسي د. محمد الهندي، الذي أكد أن الحجج والمبررات لخصم رواتب السلطة غير مقبولة.
واعتبرت حركة حماس ما ورد في تصريحات رامي الحمد الله حول مجمل الأرقام المالية التي تنفقها حكومته على غزة، بأنها " إصرار على قلب الحقائق والكذب وتضليل الرأي العام".
ورد خبراء اقتصاديون على ادعاءات الحمدالله بالأرقام المالية والإحصائيات الرسمية التي تجنيها السلطة من قطاع غزة بعد فرض الضرائب على الوقود والبضائع، حيث أكدت الاحصائيات أن 100 مليون دولار تدخل الى خزينة السلطة شهرياً منها، وتصرف على القطاع ما يقارب ال 60 مليون بفائض 40 مليون دولار شهرياً.
وصرح الرئيس عباس أن خصومات التي طالت موظفي قطاع غزة، أتت بالتنسيق مع الاتحاد الأوربي نتيجة تقليص الدعم المالي المقدم لهم.
وسريعاً نفى الناطق باسم الاتحاد الأوروبي في فلسطين، علاقة الاتحاد بقرار الحكومة الفلسطينية بخصومات رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة.
وقال الناطق الإعلامي باسم الاتحاد الاوربي في فلسطين شادي عثمان "ان الاتحاد الأوروبي لم يكن على اطلاع بخطوة الخصومات المالية، وأنه لم يشارك في هذا القرار".
وأشار عثمان إلى أن الخطوات التي نسقها الاتحاد الأوروبي مع السلطة الفلسطينية اقتصرت فقط على صعيد تحويل تمويل الاتحاد الاوروبي لصالح صندوق المعونة الاقتصادية في وزارة التنمية الاجتماعية، وأنها لم تتخذ أو تشارك في أي من القرارات المالية الخاصة بالسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.
وقد تكون الخطوة الأخيرة التي يهدف منها عباس مواصلة تضييق الخناق على قطاع غزة كفيلة بقلب السحر على الساحر بعد تقديم قادة أقاليم فتح في قطاع غزة استقالتهم، وخروج مظاهرات واسعة تطالب بإقالة رامي الحمدالله.