شهدت الأيام الأخيرة تبادلا للرسائل بين حركة حماس والاحتلال بعد نحو 20 غارة إسرائيلية ردا على صاروخ قيل إنه انطلق من قطاع غزة.
وفيما حاول الاحتلال فرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على الرد بكثافة نارية وفي نطاق أوسع، تدخّلت كتائب القسام لتعلن أن أي عدوان قادم سيكون لها فيه كلمة. وقال حينها أبو عبيدة المتحدث باسم القسام "إن الاحتلال على ما يبدو لا يفهم سوى لغة القوة، وإن السكوت يفسر أحيانا من العدو على أنه ضعف".
وبصيغة ملفتة وأقل حدة من قبل، رد وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأن الجيش يتعامل بهدوء وحكمة، ويرد بعد دراسة على أي صاروخ ينطلق من غزة. وقال: "نحن غير ملزمين بالتصرف وفقاً لما تتوقعه حماس، ولا يجب تعويدهم على أسلوب رد روتيني وتصرف ثابت، ونحن ندرس كل أمر".
هذه الرسائل أسست لمحطة جديدة لها ما بعدها في تعامل الاحتلال مع قطاع غزة، ووضعته بين خيارين إما المواجهة أو العودة إلى التهدئة، التي تم التفاهم عليها بعد العدوان الأخير عام 2014، والتي رسمت حدودا يمكن أن يؤدي تجاوزها إلى مواجهة جديدة، أكثر قسوة.
ومع احتمالية إعادة إطلاق صواريخ جديدة من غزة، يبقى السؤال حول مدى إمكانية أن يقرر الاحتلال المواجهة وهو يعلم أن حماس لن تصمت هذه المرة، وفي ظل تقديرات تفيد بأن الحركة أوصلت رسالة بشكل الرد المتوقع لها.
المؤشرات القائمة ترجح ذهاب الاحتلال إلى خيار إعادة ترميم التهدئة، في ظل عدم رغبة المقاومة والاحتلال في الذهاب إلى مواجهة، وإن كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية في غزة مشابهة للظروف التي سبقت مواجهة 2014، وعلى ضوء مؤثرات جديدة، من بينها نتائج تقرير مراقب الدولة الذي تزامن توقيته مع المعادلة الجديدة القائمة، والذي من المؤكد أنه سيؤثر على القرار السياسي، والذي كان قد انتهى في أهم مخرجاته أن حماس و(إسرائيل) لم يكونا يريدان الدخول في مواجهة، وأنهما جرا في نهاية المطاف جرا إليها رغما عنهما وضد مصالحهما.
ومن المستبعد أيضا أن يختار الاحتلال المواجهة فيما لم يتعافى بعد من آثار التقرير، الذي كشف عن أوجه إخفاق عديدة في إدارة المعركة السابقة، عدا عن الخلافات الجانبية وتبادل الاتهامات، بشكل جعل عملية اتخاذ قرار بمواجهة جديدة أكثر صعوبة وتعقيدا من قبل وأكثر تكلفة، في حالة غزة تحديدا، وجعل أيضا هاجس الإخفاق حاضرا في مبنى "الكرياه".
ولا يمكن أن يصدر قرار بالمواجهة في بيئة غير مستقرة سياسا بفعل تقرير شابيرا، الذي فضح أزمة القيادة في (إسرائيل)، ودفع مسؤولين إسرائيليين إلى الإعلان عن تشكيل أحزاب جديدة، وآخرين إلى إعلان المنافسة داخليا على قيادة الأحزاب، في محاولات لمحو هذا الإخفاق.
ولا يفوتنا محاولات أطراف خارجية داعمة لخيار التهدئة، وتمارس دورها في تثبيتها، مثل الأمم المتحدة، التي كان ملاحظا أن جولة التصعيد الأخيرة أعقبها مباشرة زيارة لم يُعلن عنها، لمنسقها الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، وأغلب الظن أنها جاءت استجابة لحالة التوتر الحاصلة، ومحاولة لإنهاء مسابقة إنزال الأيدي بين حماس و(إسرائيل)، أو أطراف أخرى قد تنضم لاحقا مثل مصر أو دولة عربية أخرى.
حتى على المستوى الإسرائيلي الداخلي، فإن الآراء تفضل التهدئة على المواجهة، وتعتقد أن الحروب قد تؤسس للسلام، مثلما قال الكاتب الإسرائيلي يوسي ميلمان تحت عنوان: "كيف يمكن تجنب حرب غزة عام 2014"، بأن بعض الحروب التي وجد فيها هؤلاء النقاد أكبر عدد من الثغرات والأخطاء كانت في واقع الأمر تلك التي جلبت لـ(إسرائيل) أفضل النتائج من الناحية الاستراتيجية.
فالسلام مع مصر، وفق ميلمان، أصبح ممكنا بعد حرب أكتوبر 1973، وأمكن الحفاظ على الهدوء على طول الجبهة اللبنانية لأحد عشر عاما بعد حرب لبنان الثانية مع حزب الله في العام 2006، وها هي (إسرائيل) تنعم اليوم بأطول فترة من الهدوء على الجبهة مع قطاع غزة منذ عام 1968.