تسلم الساكن الجديد للبيت الأبيض مهام منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية على وقع ضجة التظاهرات التي ربما لم تحدث منذ عقود رفضاً لتولي رئيس أميركي مهام منصبه.
وبعيداً عن تلك الضجة فإن العيون التي كانت ترقب لحظه دخول الرئيس الجديد المكتب البيضاوي تخشى تلك العقلية التي لم تنشغل يوماً بالسياسة ودهاليزها وأن معايير صفقات المال ومصارعة العضلات المتجذرة فيها قد تدفعها نحو سياسات " استعراض القوة والعربدة" دون دراسة تبعاتها.

وأبرز أولئك المتخوفين هم الفلسطينيين، خاصة أنه بدأ بعرض توجهاته نحو القضية الفلسطينية باكراً، حينما اندفع خلال حملته الانتخابية نحو الدعم اللامحدود "لإسرائيل".
ويمكن سرد ثلاثة ملفات فلسطينية ستشكل معضلة خلال ولاية دونالد ترمب:
الأول/ السفارة في القدس: ليس ترمب وحده من وعد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة فقد استخدم كل مرشحي الرئاسة الأمريكية عاصمة الدولة الفلسطينية للوصول لرأس المال اليهودي، لكن سرعان ما ينتهي الوعد عقب دخولهم البيت الأبيض، لكن المصارع العنيد يحاول إظهار أنه مختلف عن سابقيه وأن لديه من الجرأة ما يدفعه على الاقدام على هذه الخطوة دون أن يبالي بالنتائج.
والغريب أن ردة الفعل الفلسطينية سواء من أصحاب مشروع التسوية أو المشروع المقاوم اكتفوا بالتلويح، فالقيادة في رام الله لوحت بسحب الاعتراف بإسرائيل في حال تم نقل السفارة، بينما القيادة في غزة اكتفت بالتنديد حتى الأن.
الثاني/مشروع التسوية السياسية: ولا يمكن أن ينفصل هذا المشروع عن الأول المتعلق بالقدس، فهل يمكن القبول باستمرار رعاية الولايات المتحدة للمشروع السياسي في ظل سياسة ترمب ونائبه
مايك بينس وصهره اليهودي المتطرف جاري كوشنر الوسيط في منطقة الشرق الأوسط، وجميعهم مع إطلاق يد إسرائيل في استخدام كل الوسائل من ضمنها القوة المفرطة في التعامل مع الفلسطينيين.
الثالث/غزة: وهذا الملف يبقى مرتبط بالحصار وبقدرة غزة على إعلاء صوتها في رفض خطوات ترمب وتحديداً مسألة نقل السفارة، ففرص ظهور الملثم الحمساوي على شاشات التلفزة تتوعد بالرد والثأر على نقل السفارة ربما تحمل تبعات كبيرة.
وأمام هذه الملفات يتحتم على الفلسطينيين إيجاد سبل لمواجهة الإدارة الامريكية الجديدة، ومن الواضح أن أصحاب المشروع السياسي الفلسطيني حصروا خطواتهم في التلويح بسحب الاعتراف وتدويل القضية والذهاب بها نحو مؤسسات المجتمع الدولي.
لكن خيار التدويل أيضاً لا يمكن ان يسير بمعزل عن اميركا التي ما زالت تحتفظ بنفوذ كبير في مجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة ما يعني أن المواجهة السياسية والدبلوماسية لا مفر منها، وأن الهروب من مواجهة سياسات ترمب ستصدم بنفوذ اميركا في كل المحافل الدولية.
وخير دليل هو القرار الذي صدر عن مجلس الأمن مؤخراً في إدانة الاستيطان والذي ما كان ليصدر لولا تمريره أميركيا، إضافة إلى ما صدر عن ترمب حول القرار حينما وعد إسرائيل بأنه لن يتكرر.

وربما يكون أفضل طريقة لمحاربة ترمب هي بسلاحه فهو تحدث عن الخطاب الشعبي وحكم الشعب للأمة الأمريكية، وبذات المنطق يمكن أن يشكل الاعتماد على المخزون الشعبي بعيداً عن الصوت الرسمي والفصائلي الضعيف والمستهلك والذي قد يأتي بتبعات كبيرة أفضل وسيلة في المواجهة.
وفي الحديث عن المواجهة الشعبية لدينا بيئتان: الأولى في الضفة الغربية وهي الساحة الأقوى للمواجهة الشعبية والأكثر قدرة على التأثير، لذا فان المطلوب أن تتحرر الضفة من القبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية والسماح بتفعيل خيار المقاومة الشعبية.
البيئة الثانية: غزة والتي تبقى رافعة للمقاومة ويحسب لها حسابا لما تملكه من قوة عسكرية قادرة على التأثير، لكن المطلوب هنا إبقاء القوة العسكرية وتفعيل سلاح القوة الشعبية، إضافة إلى جانب أراضي المحتلة عام 1948 فهي قادرة على التأثير في حال نظمت صفوفها وعملت وفق أجندة واضحة لتحدي السياسات الجديدة.
في المقابل هناك ساحات أخرى قوية ومؤثرة ويمكن أن تساهم في خلق مناخ عام داعم للقضية الفلسطينية في حال تم استثماره جيداً وهو ساحة أوروبا وأميركا الجنوبية، فيجب استثمار الجاليات الفلسطينية والمتعاطفين مع القضية هناك لتحريك وتحشيد هذه الساحات ضد سياسات ترمب.
وما قد يساهم في تفعيل هذه الساحات هو المخاوف المشتركة بين الجميع من سياسات الرجل العنصرية، فهو ضد الإسلاميين والسود وضد المهاجرين حتى الأجانب.
على المستوى الداخلي الفلسطيني فإن العمل الشعبوي يمكن ان يحظى بتوافق بين أصحاب مشروعي التسوية والمقاومة، حيث تشكل المقاومة الشعبية فرصة للالتقاء بين الطرفين، لكن الأهم أن تخرج الضفة الغربية من القبضة الأمنية وهي قادرة على أن تشكل أفضل وسيلة لكبح جماح اليمين المتطرف وحكومة الاحتلال.
في المقابل المطلوب من ساحة غزة أن تراكم قدراتها العسكرية كقوة ردع للاحتلال حتى لا تغريه قوة الدعم الأمريكي وإطلاق يد ترمب له، بمهاجمتها فتبقى غزة ساحة للخسارة وليست مكانا يمكن المجازفة فيه من قبل الاحتلال.