مؤتمر باريس لعب في الوقت الضائع

رسمة الفنان مجد الهسي
رسمة الفنان مجد الهسي

غزة-شيماء مرزوق

مع غياب طرفي الصراع الرئيسيين يبدأ مؤتمر باريس "للسلام" جلساته التي استغرقت قرابة العامين للاتفاق على موعد انجازها بعدما فشلت كل المحاولات لإقناع الطرف "الإسرائيلي" بحضور المؤتمر والقبول بمقترحاته.

يتغيب الفلسطينيون و(الإسرائيليون) عن مؤتمر يناقش مصير الصراع بينهما وآفاق الحل للأزمة المتجذرة منذ عقود، لكن يبدو الأهم هنا أن الراعي الأساس لعملية التسوية بين الطرفين حاضر بقوة، بل إن البعض يذهب لأبعد من ذلك بالقول إنها المحرك الخفي للمؤتمر.

لكن المفارقة أن هناك متغيرا هاما في هذا المؤتمر وهو أن فرنسا وأميركا اللتين ترعيان المؤتمر تفقدان أوراق الضغط وحتى المتابعة، فيقود الرعاية جون كيري وزير الخارجية في الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها، بينما تذهب فرنسا صاحبة الاقتراح والاستضافة نحو الخطوة وهي على بعد أقل من عام على الانتخابات الرئاسية وبالتالي فان الطرفين يفقدان وسائل وأدوات الضغط على الطرف الإسرائيلي ويلعبان في الوقت الضائع.

ما سبق يدفعنا للقول إن المؤتمر معروف النتائج سلفاً بل ويؤكد هذه المعطيات نشر نص البيان الختامي قبل بدء المؤتمر، حيث نشرت كل من صحيفة هآرتس العبرية وصحيفة الأيام الفلسطينية النص.

الغريب أن نص البيان المنشور في الأيام أشار إلى أهمية معالجة الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزة، ودعوة كافة الأطراف إلى اتخاذ خطوات سريعة لإنتاج تغيير جوهري في الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في تلك المنطقة، بينما لم يتم الإشارة لهذه النقطة بالمطلق في النسخة الأجنبية من البيان.

ويمكن الإشارة إلى عدة نقاط تعكس ما يحمله المؤتمر:

الأولى: اسقاط صفة دولي عن المؤتمر والفارق هنا أنه بدلاً من كونه مؤتمراً دولياً يكون بإشراف ومرجعية قرارات الشرعية الدولية وتصدر عنه قرارات ملزمة ويتم تحويل القرارات لمجلس الأمن، فإنه بإلغائها يمكنه التهرب من الشرعية، خاصة أن (إسرائيل)لا تريد إضفاء بُعد دولي على صراعها مع الفلسطينيين، وهو على غرار ما جرى في مؤتمر مدريد عام 1991.

الثاني: يجب الإشارة إلى ان الإصرار الأميركي على المؤتمر يأتي في إطار تصفية الحسابات بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو.

الثالث: كيري يرغب في أن يخرج المؤتمر بنقطة واحدة وهي تثبيت حل الدولتين، كحل أوحد لحل الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي"، في ظل الحديث عن حلول ومقترحات أخرى منها الدولة الواحدة.

الرابع: الفترة التي سبقت المؤتمر شهدت تخفيف اللهجة الفلسطينية اتجاه الاحتلال (الإسرائيلي) وتقديم المزيد من التنازلات، حتى تلك التي لها علاقة بالاستيطان بعد صدور قرار مجلس الامن الأخير الذي يعتبر كل المستوطنات غير شرعية، بينما صرحت قيادات في السلطة انها لا تمانع من تبادل الأراضي ما يضمن ضم المستوطنات الكبرى لدولة الاحتلال.

الخامس: السلوك الإسرائيلي نحو المؤتمر والهجوم الحاد الذي شنه نتانياهو وحكومته ضده، حيث صرح الأخير انه بذل جهودا كبيرة لإعاقته ورفض كل المقترحات لحضوره، وذلك خشية ان يكون تتويجا لقرار مجلس الأمن وتثبيت عدم شرعية الاستيطان.

ويمكن اعتبار أن النقطة الإيجابية الوحيدة التي يحملها المؤتمر هو أنه يمثل حراكا حتى ولو كان شكلياً في القضية الفلسطينية واعادتها لصدارة المشهد بعدما طغت الملفات الإقليمية والدولية عليها في السنوات الأخيرة.

وأمام هذه المعطيات يمكن التنبؤ بالوضع الفلسطيني خلال الفترة القادمة على ضوء نتائج المؤتمر ونلخصها فيما يلي:

- المؤتمر يستمد أهميته بالنسبة للطرف الفلسطيني وتحديداً رئيس السلطة محمود عباس كونها المرة الأخيرة التي سيعمل فيها على الملف السياسي والمؤتمرات التي تناقش ملف التسوية، خاصة أن الرئيس الأميركي القادم دونالد ترامب لن تكون القضية الفلسطينية ضمن أولوياته، كما أن تصريحاته تنبأ بأن تعامله في هذا الملف سيكون بالعقلية (الإسرائيلية) الرافضة لكل حلول التسوية.

- ستعمل السلطة على تثبيت العلاقة الأمنية مع الاحتلال، خاصة أنه فعلياً تم تفريغ العلاقة بين الطرفين من كل أنواع العمل السياسي واقتصارها على الجانب الأمني، وما يؤكد ذلك التصريح بأنه جرى أكثر من 80 لقاءً سرياً بين جهاز الامن الوقائي والشاباك الإسرائيلي.

- الوضع الإقليمي خلال المرحلة القادمة يشير إلى أن الحالة الفلسطينية ستبقى خارج الأولويات الإقليمية والدولية، إضافة إلى ان الواقع العربي فقد كل مقومات القوة والضغط سواء على الدول الغربية أو الاحتلال الإسرائيلي، كما أن الدول العربية منشغلة بملفات إقليمية أكثير الحاحاً.

- قد يكون المتغير الأبرز القادم هو حراك روسي أكثر وأنشط على صعيد القضية الفلسطينية، خاصة أننا شهدنا تدخلا روسيا في ملفات فلسطينية داخلية مثل المصالحة، والحديث عن دعوة روسية للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في موسكو لمناقشة حلول التسوية.

ويأتي هذا الحراك ضمن التمدد الروسي في المنطقة الذي بدأ في سوريا والعراق ومصر ووصل لليمن وليبيا أخيراً وقد تكون المحطة التالية هي فلسطين، وهذا يعطي إشارة إلى أن روسيا في حال استطاعت أن تتمدد أكثر في المنطقة قد تحاول سحب الرعاية من الإدارة الامريكية.