حلكة الليل وبرودة الطقس لم توقظ أحداً من سكان مخيم الفارعة جنوب طوباس بالضفة الغربية المحتلة، حينما كان جنود الاحتلال ينتشرون في أزقته، حتى بدد صوت رصاصهم الغادر هدوء المخيم، مع صرخة أم رأت مشهد إعدام وحيدها أمام عينيها.
كابوس لم تستيقظ منه أم محمد بعد، فابنها الوحيد "محمد الصالحي" قُتل أمامها، بعد أن أطلق جنود الاحتلال "الإسرائيلي" النار عليه في عقر داره.
"استيقظ محمد وأمه المريضة على صوت الجنود فوق رؤوسهم داخل المنزل، وما هي إلا لحظات حتى أطلق الجنود النار على محمد، وتركوه ينزف حتى ارتقى شهيداً أمام والدته المريضة"، بحسب مسئول لجنة الخدمات في مخيم الفارعة ياسر أبو كشك.
ويتابع أبو كشك في حديثه لـ"الرسالة نت":"محمد ليس مطلوباً للاحتلال، وكانت قوات الاحتلال تريد اعتقال جاره، لكنهم اقتحموا منزله وقتلوه بدم بارد ومن مسافة صفر".
ويضيف: "قوات الاحتلال ادعت أن محمد حاول طعن الجنود، لكن حقيقة ما جرى لا يؤكد تلك الرواية، فمحمد ووالدته تفاجئوا بالجنود في منزلهم المتواضع والمكون من غرفتين، وصرخوا بوجه الجنود متسائلين عن سبب الاقتحام بهذه الطريقة"، لكن رصاصهم كان كفيلاً بإسكات صوت محمد، وحرق قلب أمه عليه.
عن محمد، يقول أبو كشك:"كل المخيم يعرف محمد، بطيبته وهدوئه، محبوب من كل من عرفه، عاش حياته يعمل ويكافح ليوفر قوت يومه ولأمه المريضة، وقد توفي والده قبل فترة قصيرة".
وكان محمد يعمل بائعاً متجولا في المخيم وعلى أبواب مدارس وكالة الغوث في مخيم الفارعة، وقد اعتقل لثلاثة سنوات في سجون الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى.
أما أمه التي لم تكحل عيونها برؤيته عريساً، فجلست ونساء المخيم يحطن بها، يواسينها بفقدان وحيدها، وهي تردد "الحمدلله، حسبنا الله ونعم الوكيل".
سنوات عمره ال32 لم تكن كافية ليؤسس محمد حياته الخاصة، فقد عاش مع عائلته الفقيرة بالمخيم، لا يملك سوى عربة ورثها عن والده، يبيع عليها بعض الحاجيات للأطفال على أبواب مدارسهم، حتى رحل تاركاً أمه وأخته وحيدتين، دون حفيد يحمل اسم الشهيد أو والده المتوفي.
وذكر أبو كشك أن جثمان الشهيد نُقل صباحا لمعهد الطب الشرعي في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، لتشريحه وتوثيق سبب الوفاة، لملاحقة الاحتلال على جريمته.
وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت مخيم الفارعة الليلة الماضية واعتقلت ثلاثة شبان، هم محمود جبارين، وقيس نشأت، ومحمود نظمي أبو حسن.