في الحرب العدوانية البشعة التي يشنها العدو الصهيوني على شعبنا الفلسطيني، منذ ما يزيد عن 100 عام، تتعرض الذاكرة الفلسطينية إلى أبشع فصل في هذا العدوان، عدوان فاشي ممنهج يستهدف محو هذه الذاكرة وشطبها، لاستكمال الرواية الصهيونية الكاذبة، القائمة على تزييف وتزوير التاريخ وانتهاك الجغرافيا.
الحرب الصهيونية على الذاكرة الفلسطينية، تأتي في ضوء إدراك العدو لخطورة بقاء هذه الذاكرة، وفي إصرار الشعب الفلسطيني في الحفاظ عليها، جيلا بعد جيل، كونها تشكل حصناً لهذا الشعب وبوصلة ً لا تضل أبداً، وجزأً اصيلاً من كفاحه ونضاله، ودليلاً يدحض افتراءات الآخرين على عروبة فلسطين منذ أكثر من ستة آلاف عام .. منذ أن خلق الله الأرض وما عليها.
الشعب الفلسطيني الذي يدرك أبعاد الصراع مع العدو كصراع وجودي، يدرك أهمية الحفاظ على هذه الذاكرة، كنبراس للأجيال يضيء طريقها ...
ففي المهاجر والشتات نراه حريصاً على التمسك بهذه الذاكرة، فهي الوجه الآخر للهوية الفلسطينية، فنراه حريصاً على بقاء الفلكلور الفلسطيني، والتراث الفلسطيني، والأناشيد الوطنية الثورية، والأثواب الفلسطينية المطرزة والتي تجسد تراثاً حضارياً منذ مئات السنين.
كما هو حريصٌ على إبراز كل ذلك في الأعياد الوطنية، والمناسبات الدينية، حيث تعلو الكوفية الفلسطينية - كوفية ثورة 36 الكبرى- هامات الجميع، رجالاً نساءً للتذكير، بأن هذا الشعب رغم ظروف الشتات ومعاناة التهجير لم ينس هويته الوطنية ... فهو فلسطيني، ولم ولن ينسى وطنه فلسطين ... التي تزين خارطتها صدر منازل المغتربين، كما تصّرُ المرأة الفلسطينية أن تكون هذه الخارطة، جزءًا عزيزاً من حليها، وتصر على إبرازها في المناسبات الاجتماعية، وخاصةً في بلاد الاغتراب.
وفي هذا الصدد، نجد لزاما علينا، الإشادة بالمؤرخين الفلسطينيين الذين كتبوا، وأرخّوا لفلسطين، وقضيتها، ونضال شعبها، وللحياة السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، خلال العهد العثماني، وحقبة الانتداب، ونضالهم المستميت لرد الغزوة الصهيونية، ومن أبرزهم، عارف العارف في كتابه (النكبة)، ومصطفى الصباغ في كتابه (بلادنا فلسطين)، ورشيد الخالدي في كتابه (القفص الحديدي) ووليد الخالدي في كتابيه (التاريخ المصور لفلسطين وكي لا ننسى)، حيث حرص هؤلاء المؤرخين الأفذاذ، على دحض الرواية الصهيونية، وعلى كشف الدور البريطاني، والأمريكي والفرنسي في إقامة هذا الكيان الصهيوني، على أرض فلسطين العربية.
لقد حرص هؤلاء المؤرخين، على التمسك بالموضوعية والأسلوب العلمي في غربلة الحقائق، وكشف الزيف الذي غطى كتابات مناصري الصهيونية، والمستشرقين الذين عملوا، ويعملون في خدمة الحركة الصهيونية.
المؤرخون الفلسطينيون، استطاعوا توثيق هذه المرحلة، بأدلةً لا يرقى إليها الشك، عن دور بريطانيا البشع في تهيئة الظروف والأسباب لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين ... تنفيذا لوعد بلفور المشؤوم.
ومن جانب آخر، أبرزت كتابات هؤلاء المؤرخين صورة فلسطين الحضارية، مستعينين بالصورة التي، تؤكد الحدث، وتوثق لهذه المرحلة.
ففلسطين كانت قطراً متقدماً، قياساً بالأقطار العربية المجاورة، وتضاهي مدنها (حيفا، يافا، عكا الخ ... ) مدناً كبرى كباريس ولندن وروما ومدريد ... الخ، من حيث البنية التحتية، كوجود الطرق المعبدة وسكك الحديد والكهرباء والماء وخطوط الصرف الصحي، ووجود المستشفيات، ومصفاة النفط في حيفا، و وجود المدارس، والجامعات، والصحف والمجلات، والصناعة ... إلى آخره ... اضافة للأحزاب.
المؤرخ وليد الخالدي في كتابه (كي لا ننسى)، حرص على التذكير بالقرى الفلسطينية التي دمرها العدو الصهيوني، خلال حرب 1948، واستطاع من خلال جهد كبير، وصبر ومثابرة، وإصرار على الإحاطة بتاريخ كل قرية، وعدد سكانها، ومصيرها الذي لاقته على يد عصابات الصهاينة المجرمين، وأسم المستعمرة أو المستعمرات التي أقيمت على أشلاء هذه القرية، او تلك، أو في اراضيها، معززا كل ذلك بصور فوتوغرافيه عن القرية، قبل هدمها، ومن ثم بعد هدمها، متمسكا في ذلك بأخلاق المؤرخ الرصين.
520 قرية دمرها العدو عام 48، تجسيدا لنهجه الفاشي القائم على استئصال الذاكرة الفلسطينية، ومن هنا حرص على إقامة مستعمرات على هذه القرى، أو زراعة الغابات، لإزالة أي أثر لوجودها، ما يؤكد اهمية الكتاب المشار أليه، وأهمية جهود الجمعيات التي تحرص، على إقامة المتاحف التي تحفظ أسماء تلك القرى المنكوبة ومصيرها، مضافا الى كل ذلك أسماء الشهداء الذين استشهدوا في كل قرية ومدينة.
الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية هي مهمة كل فلسطيني، للحفاظ على التاريخ، والهوية، والحق الفلسطيني، ونقل الأمانة إلى الأجيال القادمة، لتبقى فلسطين حية، في الذاكرة، لا تموت، فالكبار نعم يموتون، ولكن الأجيال لا تنسى.
باختصار ...
الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، يشكل المحور الرئيسي، في معركة صراع الوجود مع العدو الصهيوني، للحفاظ على الرواية الفلسطينية، وغرسها في قلوب الأجيال، ووجدانهم، فهي البوصلة لكل فلسطيني ... وهي الزاد في التغريبة الفلسطينية الطويلة.
الدستور الأردنية