دقيقة واحدة كانت كفيلة لينطق فيها قاضي محكمة المركزية "أورشليم" الحكم على الفتى أحمد المناصرة – 13 عاما- لتغيير مستقبله الذي كان يخطط له طيلة ليالي اسره داخل زنازين الاحتلال، فقد كان يعتقد أن طفولته وقوانين الطفولة ستشفع له أمام تلك المحكمة التي منحته السجن الفعلي لمدة اثني عشر عاما، كما وفرضت عليه غرامة مالية بقيمة 180 ألف شيكل.
الفتى "المناصرة" بقيت ابتسامته تقهر السجان رغم الظروف القاسية التي مر بها خلال التحقيقات حتى وبعد النطق بالحكم عليه ووصفه بـ "مجرم حرب"، فلم تكن تتوقع والدته أن تكون قوة ابنها بهذا الحجم فهي من وصفته بالطفل المدلل الذي لا يقوى فعل شيء بدونها، لكنها لا تدري بأنه كبر وبات في منزلة الرجال يهابه جنود الاحتلال.
وكانت التهمة التي وجهت للفتى المقدسي صاحب مقولة " مش متذكر" خلال التحقيق معه من قبل الاسرائيليين، هي محاولة طعنه "لإسرائيلي"، لكن ما التقطته عدسات المصورين كذبت الروايات" الإسرائيلية" حينما ظهرت سيارة مستوطن فجأة لتدهسه عمدا وهو ساقط ارضا بعد اعتداء جنود الاحتلال عليه بجانب سكة القطار، حينئذ أصيب بجروح موضعيه ورضوض في جميع أنحاء جسده.
وفي ذلك اليوم الذي اعتقل فيه كان بصحبة ابن عمه الذي يكبره وقتها بثلاث أعوام "حسن مناصرة" – 15 عاما- لكن رصاص جنود الاحتلال اخترقت جسده وصعدت روحه إلى بارئها.
قاضي المحكمة المركزية يؤكد في حكمه على أن، صغر سن الطفل لا يمنحه الحصانة من فرض العقوبة، رافضا في الوقت ذاته ادعاء "المناصرة" أنه لم يكن ينوي القتل.
أساليب الترهيب
ووفق القوانين الدولية واتفاقية حقوق الطفل التي تنص مادتها رقم 16، فإن ما حدث مع الفتى مناصرة مخالفة لجميع القوانين حيث أنه " لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة، أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته"، وتنص أيضاً على أن "للطفل الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التعرض أو المساس".
ويعتبر الحكم على الفتى "مناصرة" سابقة قضائية خطيرة تستهدف الطفولة في فلسطين، و تتعارض مع توصيات القانون الدولي و اتفاقية حقوق الطفل التي وقع عليها الكيان منذ ما يزيد عن 20 عاما.
ورغم انضمام السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية في الأول من أبريل 2015، لمساءلة الاحتلال أمامها لما ارتكبه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، إلا أنها لم تفعل صلاحيتها حتى اللحظة .
وتعتقل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها نحو 350 طفلًا فلسطينيًا؛ بينهم 12 فتاة، تقل أعمارهم عن (18 عامًا)، وتحتجزهم في سجني "مجدو، و"عوفر" بينما تحتجز الفتيات في سجن "هشارون".
وقد وُثقت العديد من الانتهاكات التي مورست بحق الأطفال والقاصرين، منذ لحظة الاعتقال الأولى حتى نهاية الإجراءات القضائية، إطلاق الرصاص الحي عليهم وممارسة التنكيل والاعتداء عليهم بالضرب المبرح في فترة الاحتجاز الأولى واستخدام أساليب الترهيب والتهديد.
وتضمنت الانتهاكات بحق الأطفال حرمانهم من المساعدة القانونية وإجبارهم على الاعتراف تحت الضغط والترهيب والضرب وتوقيعهم على أوراق لا يعلمون مضمونها واحتجازهم في أماكن غير صالحة للعيش الآدمي وعدم توفير الأغطية والملابس الدافئة في مراكز الاحتجاز.
ومنذ بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2015، صعدت سلطات الاحتلال من سياسة اعتقال الأطفال ليصل عدد حالات الاعتقال التي وثقت لأكثر من 2000 حالة بين صفوف الأطفال، أعلاها في محافظة القدس حيث وصل عددهم لأكثر من 800 طفل، الجزء الأكبر منهم أُفرج عنهم بشروط، تمثلت بدفع غرامات مالية أو فرض كفالات مالية، وقد تعرض المئات من أطفال القدس للحبس المنزلي والإبعاد عن عائلاتهم.
بدوره قال الحقوقي حنا عيسى "للرسالة نت"، بأن الحكم الصادر بحق الطفل المناصرة لا يجوز قانونيا ومخالف لجميع القوانين، مبينا أنه لا يمكن وفق القانون ملاحقة أو اعتقال أي طفل تحت سن الثامنة عشر إلا في حالات استثنائية كأن يكون عمره 17 عاما وينوي القيام بعمل ارهابي.
وأكد عيسى، أن من حق الشعب الفلسطيني وفق القانون مقاومة الاحتلال بكل السبل الممكنة حتى دحره عن الاراض الفلسطينية، مشيرا إلى أن العمل الذي قام به المناصرة من حقه الشرعي وليس مخالفا للقانون.
وأوضح أنه وفق اتفاقيات جنيف الأربعة أنه ليس من حق قضاة المحكمة اصدار حكما ظالما على الطفل ومعاملته كمجرم ، مبينا في الوقت ذاته أن الاسرائيليين هدفهم كسر ارادة الطفل الفلسطيني كي لا يصبح مقاوما حينما يغدو شابا.
القانون العنصري
واستنكر وكيل وزارة العدل المستشار عمر البرش، قرار محكمة الاحتلال المركزية بالحكم الظالم على الأسير الطفل القاصر أحمد مناصرة 14 عاماً.
وأوضح أن هذا الحكم يدل على أن سلطات الاحتلال بدأت بالتنفيذ والتطبيق الفعلي لمشروع القانون العنصري الذي يسمح بإنزال عقوبة الحبس الفعلي على الأطفال دون 14 عامًا والذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الثالثة والنهائية قبل شهرين تقريباً.
وأكد البرش أن سلطات الاحتلال استخدمت أسلوب القمع والتعذيب النفسي والجسدي مع الطفل مناصرة وحرمته من حقه في استشارة محام وفي اصطحاب أسرته معه، مؤكدا بأن جميع إجراءات التحقيق باطلة قانوناً، داعيا إلى تشكيل لجنة قانونية دولية مختصة للتحقيق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الأبطال ولا سيما الأطفال والنساء منهم.
وطالب المجتمع الدولي وكافة المنظمات الإقليمية والدولية المهتمة بحقوق الإنسان وجميع الجهات المعنية بحقوق الطفل بالوقوف عند مسؤوليتها والوقوف في وجه الأحكام والقوانين العنصرية الماسة بحقوق الطفل الصادرة عن دولة الاحتلال, والعمل على محاكمة قادة دولة الاحتلال الصهيوني على هذه الإجراءات العنصرية.