سريعاً تدور عجلة الفصول الأربعة على فقراء قطاع غزة، تسابق الزمن لتكشف عن فصول المعاناة التي يعيشها فقراء القطاع في مواجهة متغيرات الطبيعة التي تفرضها عليهم فلا أحد يستطيع الإفلات من برد الشتاء وحرارة الصيف.
يقف أحمد حائراً أمام منزله المبني من صفيح ينظر إلى السماء يرقب غيومها الماطرة، ويمعن التفكير في سقف منزله، كيف له أن يواجه مياه الأمطار ويمنعها من التسلل إلى أرجاء بيته ليحمي صغاره من البلل والغرق.
مبكراً قرع المنخفض ناقوس الخطر داخل منزل أحمد المعيل لستة أبناء، لم تكترث الأسرة لحرارة الصيف التي انقضت كونهم تخطوا حدود الصبر عليها، إلا أن برد الشتاء ومياهه المتسللة إلى فراش صغارهم تشكل لهم وحشاً مرعباً يجب محاربته حتى يقوا الأطفال من أمراض الشتاء المتعبة.
يجد الأربعيني نفسه مضطراً لقرع أبواب الجمعيات الخيرية علها توفر لسقف منزله القديم غطاء من النايلون يمنع دخول مياه الأمطار لمنزله، فيغدو منذ ساعات الصباح الأولى مصطحباً ملفاً يحمل نسخًا من صورة هويته الشخصية مسجلاً عليها رقم هاتفه الشخصي ومكان سكنه ليتركه لهم طالباً الغطاء للمنزل.
يتحدث أحمد "للرسالة" عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها، وكيف تشكل له عائقاً أمام ترميم منزله المتواضع، حيث يقول: " اعمل في اليوم أكثر من 12 ساعة متواصلة وبالكاد أستطيع تحصيل قوت يوم أسرتي، وأحياناً أعود بمبلغ قليل لا يكفي أبنائي مصروفاً للمدرسة".
ويضيف أحمد الذي يعمل سائق أجرة على سيارة لأحد الأشخاص: "تكاليف البناء الباهظة لا يمكن أن تجعلني قادراً على ترميم منزلي المبني من صفيح، وهذا يجعل لنا فصل الشتاء فصلاً للمعاناة والعذاب، وكل ما يشغل بالنا فيه هو كيف يمكننا الحد من البرد القارس داخل غرفة نوم الأطفال، غير أن المنخفضات القوية الماطرة تغرق المنزل بالمياه العادمة ومياه الأمطار مما يدفعنا إلى ترك المنزل والذهاب لمنازل الأقارب والعيش فيها بشكل مؤقت".
وشهد قطاع غزة خلال الأعوام الماضية عدة أزمات سببتها المنخفضات الجوية خلال فصل الشتاء، أبرزهم منخفض "اليسكا" عام 2013 ومنخفض "هدى" العام الماضي، واللذان تسببا بغرق عدد كبير من منازل المواطنين جراء ضعف البنية التحتية للقطاع.
ويأمل أحمد من الجمعيات الخيرية أن توفر على الأقل غطاء مناسباً للمنزل قبل قدوم فصل الشتاء واشتداد البرد، حيث وفرت له هذه الجمعيات خلال الأعوام الماضية الغطاء.
حال المواطن "أحمد" يحسد عليه إذا ما قارناه بحالة المواطن يوسف النجار الذي لا يزال يقطن داخل كرفان في بلدة خزاعة شرق مدينة خانيونس بسبب تأخر الاعمار، حيث يبدي "النجار" قلق عائلته من فصل الشتاء، موضحاً أن الكرفان مكان لا يصلح للسكن خلال المنخفضات الجوية، ومن المستحيل منع تدفق مياه الأمطار داخله ومواجهة البرد القارس به.
ويتابع النجار: "عانينا الأمرين خلال فصل الشتاء الماضي بسبب البرد القارس الذي يجتاح الكرفان، وكنا نصبر أنفسنا على أنه الفصل الأخير الذي سنعيشه فيها إلا أن تأخر الإعمار سيجبرنا أن نعيش فصلًا آخر داخل الكرفان، الأمر الذي يشكل لنا فصلاً جديداً من المعاناة".
ويأمل النجار أن يتم بناء منزله قبل اشتداد فصل الشتاء، لتنجو أسرته من معاناة الكرفان عبر الانتقال إلى منزل جديد بعد أن هدم منزله خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع عزة عام 2014.
ويبدي المهندس محمد المصري مدير جمعية الرحمة الخيرية، استعداد الجمعية لإغاثة الأسر الفقيرة خلال فصل الشتاء بمشاريع مؤقتة ستبدأ بتنفيذها خلال الأيام المقبلة، أبرزها تغطية البيوت المسقوفة بالصفيح بالنيلون وتوزيع الأغطية والملابس الشتوية على الفقراء والمواطنين الذين يعيشون داخل الكرفانات بمحافظة خانيونس.
ويؤكد المصري خلال حديثه "للرسالة" أن المشاريع المؤقتة لا تشكل حلاً للأزمة، وإنما فقط تخفف البرد عن الفقراء، مبيناً أن عددًا كبيرًا من الموطنين يعيشوا في منازل لا تصلح للسكن، ولا يمكن تقديم حل لهم إلا من خلال إعادة تشييد منازلهم، لافتاً إلى أن نقص التمويل والإمكانات يعيق ذلك.
ويضيف أن الجمعية تعمل كل عام خلال فصل الشتاء على تغطية احتياجات الفقراء وتقديم الاحتياجات اللازمة من خلال المشاريع المؤقتة، إلا أنها تأمل خلال الفترات المقبلة إيجاد الحلول الكاملة لهم من خلال تشييد المنازل المتواضعة.