حين تنفس صبح يوم الجمعة الأول من نوفمبر لعام 2013م كانت محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة على موعد مع عملية بطولية أربكت حسابات الاحتلال الإسرائيلي، وأدت إلى مقتل عدد من جنوده وأصابت آخرين.
حينها ترجّل مقاتلو القسام من باطن الأرض، ليفاجئوا وحدة الهندسة في جيش الاحتلال، التي حاولت التقدم خارج الخط الفاصل شرق القرارة شرقي خانيونس، في مهمة بحث عن أنفاق المقاومة. وما أن تسللت الوحدة لعدة أمتار خارج الخط الفاصل، حتى أعطت كتائب القسام إشارة البدء لتتم العملية ويباغتهم فرسان المقاومة بتفجير العبوات البرميلية تحتهم والاشتباك معهم.
وارتقى خلال العملية الشهداء القادة خالد أبو بكرة ومحمد رشيد داود، والشهيد المجاهد محمد القصاص، حيث أطلقت كتائب القسام على العملية اسم "بوابة المجهول"، بينما أعلن الاحتلال حينها عن إصابة ستة جنود وُصفت جراح أحدهم بالحرجة.
كمين محكم وقع فيه جنود الاحتلال ما يزال صداه يملأ أرجاء المكان الذي ما يزال شاهداً على شجاعة وإقدام هؤلاء الأبطال، بعد أن قاتلوا بشكل فريد من مسافة صفر.
وكانت كتائب القسام كشفت فيما بعد أن الشهداء القادة أبو بكرة وداود، شهداء عملية بوابة المجهول كانوا من أفراد وحدة الظل القسامية، والتي أوكلت لها مهمة تأمين أسرى العدو الذين يقعون في أسر الكتائب، وإبقائهم في دائرة المجهول وإحباط جهود العدو المبذولة للوصول إليهم.
ويسيطر الشعور بالفخر والاعتزاز على ذوي الشهيد خالد أبو بكرة لصنيع نجلهم، وخصوصاً بعد علمهم بمشاركته في عملية احتجاز الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، إذ لم يظهر عليه أي إيحاءات تدل على أي دور له في حجزه، حسب شقيقه.
ويعتبر أبو بكرة أحد قادة النخبة في منطقته بحي الأمل غرب خانيونس، وأحد أبرز الوجوه التي شاركت في العملية.
أم عبد الرحمن والدة الشهيد خالد قالت، إنه كان يتمنى الشهادة دائما غير أنها كانت تدعو له بطول العمر. وتضيف ودموع الشوق تنهمر على تجاعيد وجهها لتسيل نهراً متدفقاً من الحنان: "رغم ألمي لفراق ابني فإنني راضية عنه لأنه اختار الطريق الذي سيوصله إلى الجنة".
عمليات البحث عن الشهيدين القساميين محمد داود ومحمد القصاص انتهت بعد تعذر العثور على جثمانيهما وتبخرهما داخل نفق العملية، حيث صلى حشد كبير عليهما صلاة الغائب، في حين عثر على الشهيد الثالث خالد أبو بكرة سابقاً ليواري جسده الثرى.
والدة الشهيد محمد رشيد داود تعانق هامتها الثريا فخراً ببطولة فلذة كبدها، الذي جندل الأعداء في عملية "بوابة المجهول". وتقف الوالدة الصابرة المحتسبة حيث مكان استشهاد ابنها الذي تصفه بأحب الناس إلى قلبها، لتخرّ ساجدة لربها، ومُقبّلة التراب الذي اختلط بدمائه الزكية.
ولم يغب عن قلب عائلة داود حالة السعادة والذهول بعد أن أعلنت كتائب القسام أن محمد أحد الشباب الذين شاركوا في احتجاز الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، برفقة رفيق دربه الشهيد خالد أبو بكرة وعدد من الشهداء الذين ارتقوا في أحداث متفرقة.
وتترافق مشاعر ذوي الشهيدين المحمدان مثلما ترافق وتوافق ابنيهما في درب المقاومة، حيث يقول الحاج عصام القصاص والد الشهيد محمد، إن ابنه قدم روحه فداءً للوطن، مؤكداً أن "هذه هي ضريبة التحرر من دنس الاحتلال".
ويؤكد الوالد المكلوم أن ابنه من الأشخاص القلائل الذين لا يعرفون الخصومة مع أحد مهما كانت الظروف والأحوال، وإذا ما وقعت فإنه يسعى بكل جهده من أجل إنهاء أي إشكال مع إخوانه، ويحب أن يبقى صدره سليماً تجاه كل من عرفهم وأحبهم.
أما شقيقه الأصغر والوحيد أحمد فيقول: "إن هدف العملية الفدائية كان اختطاف جنود صهاينة لمبادلتهم بالأسرى داخل السجون"، داعياً الجميع إلى العمل الدؤوب والسير على درب الشهداء لتحرير جميع الأسرى الفلسطينيين.