يحمل اعتراف مسؤولين في سلطة رام الله بأن مصر قد طلبت من محمود عباس تجميد كل الإجراءات ضد (إسرائيل) في المحافل الدولية وتأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، دلالة خاصة. فمن الواضح أن السيسي يهدف إلى مساعدة الكيان الصهيوني من خلال الحيلولة دون تدويل الصراع، على اعتبار أن الساحة الدولية تعد أحد أخطر نقاط الضعف بالنسبة للكيان الصهيوني.
ولا حاجة للتذكير بما أقر به المسؤولون الصهاينة الذين جاهروا بالاعتراف بأن المبادرة التي أطلقها السيسي في 15 مايو الماضي، والتي جاءت في الخطاب الذي ألقاه في أسيوط، والتي اصطلح على تسميتها "المبادرة المصرية" جاءت بشكل خاص لقطع الطريق على المبادرة التي أطلقتها فرنسا والتي كان يمكن أن تفضي إلى صدور قرار دولي ينظم الجدول الزمني لإعلان الدولة الفلسطينية.
إن الانتباه إلى هذه الملاحظات مهمة جدا عند بلورة موقف من الخلاف بين عباس والسيسي، والذي تفجر في أعقاب رفض عباس مصالحة محمد دحلان، على اعتبار أن هذه المصالحة تعد، في نظر السيسي، مقدمة لترتيب البيئة الفلسطينية الداخلية قبل غياب عباس، بحيث لا يستفيد من هذا الغياب حركة حماس ولا يشكل في الوقت ذاته مصدر تهديد لـ(إسرائيل).
من هنا سيكون مخطئا كل من يراهن على أن الخلاف بين السيسي ودحلان من جهة وعباس من جهة أخرى سيحدث تغييرا إيجابيا على واقع القضية الفلسطينية.
فمرتكز العلاقة بين دحلان والسيسي في الأساس هو توفير البيئة لنجاح الثورات المضادة في العالم العربي ومحاصرة القوى التي يمكن أن تشكل تهديدا لها وعلى وجه الخصوص الحركات الإسلامية، وضمنها حركة حماس. من هنا، فإن ما يجعل كلا من السيسي ودحلان يحنقان على عباس إلى هذا الحد هو رفضه التعاون في توفير ظروف تساعد على تنفيذ مخططهما في الساحة الفلسطينية. ولا حاجة للتذكير بأن موقف عباس نابع من اعتبارات شخصية وليس من اعتبارات قيمية ووطنية. فهو يخشى في حال وافق على التخلي عن مقاليد الأمور أن يتم المس به وبعائلته، وليس مطمئنا إلى الوعود التي قدمتها له دول عربية بألا يتم التعرض لأبنائه ومصالحهم.
صحيح أن السيسي قد لا يتردد في تقديم ما يرى أنه يساعد دحلان داخليا، مثل تخفيف مظاهر الحصار وفتح المعبر، كما أنه قد يوافق على بعض الإجراءات الأخرى، مثل التبادر التجاري بين غزة ومصر وغيرها. لكن يتوجب دائما أن نتذكر أن هذه الإجراءات تهدف بالأساس إلى بلورة الساحة الفلسطينية الداخلية بحيث تخدم بيئة الثورات المضادة في العالم العربي.
فعلى سبيل المثال، مصر معنية بمساعدة دحلان من خلال تعزيز مكانته في قطاع غزة، لكن في الوقت ذاته لم يطرأ أي تغيير على موقفها من حركة حماس، حيث أنها تهدف من خلال مساعدة دحلان إلى إضعاف مكانة الحركة في القطاع، من خلال الانطلاق من افتراض مفاده أن الناس يتطلعون إلى تحسن الأوضاع المعيشية وتخفيف مظاهر الحصار على القطاع، وبالتالي فهم سيكونون مع كل من يسهم في تحقيق هذه النتيجة.
من ناحيتها حركة حماس أمام موقف بالغ التعقيد، فهي من ناحية ليس بإمكانها التشويش على تحركات السيسي دحلان في حال أفضت إلى تخفيف مظاهر الحصار عن القطاع لإدراكها الواقع الصعب الذي يحياه الناس هنا، وفي الوقت ذاته تدرك أن تحرك السيسي دحلان يرمي في النهاية إلى المس بمكانتها.
على الرغم مما تقدم، فإن هناك ما يدلل على أن تحرك السيسي دحلان لن يكتب له النجاح، حيث أنه على الرغم من أنه قد يسهم في تدهور مكانة عباس الداخلية، لكنه بكل تأكيد لا يسهم بتعزيز مكانة دحلان في الساحة الفلسطينية بشكل جذري. فلو افترضنا أن دحلان سيعزز حضوره داخل غزة بعد إجراءات تخفيف الحصار التي يتحدثون عنها حاليا، فإن هذا سيزيد من دافعية خصومه داخل فتح للعمل ضده داخل الضفة الغربية، والنتيجة في أحسن الأحوال حالة من الفوضى قد تعيد الأمور إلى المربع الأول بعكس ما يرغب دحلان والسيسي.