شكل قرار "اليونسكو" انتصارا للحق الفلسطيني، وصفعة للاحتلال الذي يحاول الخروج من المأزق بشتى الطرق والوسائل بعد أن سقطت روايته المزعومة بحقه في المسجد الأقصى.
وكانت اليونسكو قد صادقت -خلال اجتماع الخميس الماضي بالعاصمة الفرنسية باريس- على قرار ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق.
وصوّتت 24 دولة لصالح القرار الذي قدمته سبع دول عربية، وهي الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وعُمان وقطر والسودان. وامتنعت 26 عن التصويت، بينما عارضته ست دول وتغيبت اثنتان.
القرار الذي يعد نصرا دبلوماسيا وثقافيا يمكن استثماره والبناء عليه لتحقيق انتصارات إضافية، وإلا سينضم لسلسلة من القرارات السابقة التي لم يحسن الفلسطينيون استغلالها لاستعادة حقوقهم المسلوبة، خاصة في ظل حملة يقودها الاحتلال لتفريغ القرار من محتواه والضغط على الدول المصوتة لتقديم الاعتذار.
قرار مهم
ويستنكر القرار بشدة الاقتحامات المتواصلة للمسجد الأقصى من قبل المتطرفين والجيش الإسرائيلي، ويطالب تل أبيب بوقف انتهاكاتها بحق المسجد الأقصى، و"إتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائما حتى سبتمبر/أيلول 2000" إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون الأقصى.
الخبير في شؤون القدس الدكتور جمال عمرو اعتبر أن القرار اكتسب أهمية في ظل الانقسام والوضع العربي المتردي وانشغاله عن القدس والأقصى، موضحا أن اليونسكو أكد على الحق الفلسطيني.
وبحسب عمرو فإن العرب لديهم عبقرية في إضاعة الفرص، وعدم استثمارها، وهو ما يتأكد من خلال إضاعة العشرات من القرارات السابقة دون الاستفادة منها، مشيرا إلى أن العرب تركوا الدول التي صوتت لصالحنا نهبا لأنياب الاحتلال ليضطروهم للاعتذار.
ويبين أن الاحتلال بدأ بمجرد صدور القرار حملات مضادة انتجت مواقف وتصريحات معادية للقرار صدرت من فرنسا أمريكا والأمم المتحدة ومديرة اليونسكو ذاتها.
وعلى إثر القرار قررت حكومة الاحتلال "الاسرائيلي"، تعليق تعاونها مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
ووجه وزير التربية والتعليم في حكومة الاحتلال نفتالي بينيت -الذي يشغل أيضا منصب رئيس لجنة إسرائيل لدى اليونسكو- رسالة إلى المنظمة الأممية قال فيها "لقد أعلمت مبعوثنا إلى اليونسكو بتعليق كل النشاطات المهنية معها".
وتحت وطأة الانتقادات الإسرائيلية للمنظمة الدولية والتهديد بقطع العلاقات معها أو قطعها قالت
مديرة عام "اليونسكو" ايرينا بوكوفا في محاولة لتفريغ القرار من محتواه، إن "التراث في مدينة القدس غير قابل للتجزئة، وتتمتّع كل من الديانات الثلاث في القدس بالحق بالاعتراف بتاريخها وعلاقتها مع المدينة"، على حد زعمها.
ودعا عمرو إلى التصدي بحزم لمثل هذه البيانات والتصريحات التي من شأنها تفريغ القرار من مضمونه خدمة الاحتلال، لافتا إلى ضرورة البناء على القرار واستغلاله وملاحقة الدول التي صوتت ضده، خاصة وانهم سلبوا حق مليار مسلم.
عبقرية في تضيع الفرص
مراقبون أكدوا أن الاحتلال سيسارع بوصف القرار بمعادة السامية وهو ما فعله مع القرارات الأممية التي صدرت سابقًا، مراهنا أنه ستصبح مع الزمن مجرد حبر على ورق.
بدوره طالب عمرو إلى تحويل القرار لبحث معمق وايداعه في كل مراكز البحث العلمي والجامعات، خاصة وان كل الأبحاث في العالم هي "إسرائيلية" وتعطي الحق للاحتلال، لافتا أن القرار يوجب صناعة ثقافة الانتصار وخلع عباءة الهزائم التي استمرت لـ100 عام متواصلة.
ويحتم القرار على الفلسطينيين الإصرار على اليونسكو بإرسال بعثة خبراء الى الاماكن المقدسة، لرصد التدمير الذي الحقته وتلحقه (اسرائيل) بالمواقع التاريخية ومواقع التراث الثقافي، حيث تنشئ (اسرائيل) في هذه المواقع بنى تحتية بغرض تسويق الرواية اليهودية لها.
القرار أثار سخط رئيس الوزراء الإسرائيلي معتبرًا إيّاه سخيفًا "يفقد اليونسكو ما تبقى لها من شرعية" على حد تعبيره، واعتبرته الخارجية الإسرائيلية أنه يأتي "لتقويض الصلة اليهودية بالقدس"، يأتي في حقيقة مضمونه نسفًا لعلاقة اليهود بالقدس التي يدّعون أنها ستكون عاصمتهم الدينية والسياسية، ضمن خطواتهم الحثيثة لتهويد القدس، وهو ما أدركته تمامًا الحكومة الإسرائيلية وفهمت القصد من ورائه.
وتوقع الخبير في شؤون القدس عمرو أن يلجأ الاحتلال لحملة شرسة لمواجهة القرار ووصف المصوتين له بمعادة السامية، مشيرا إلى أن وصف نتنياهو له بالسخافة والانحطاط بداية الحملة في ظل تشبيهه للقرار بأنه كقطع علاقة مصر بالأهرامات.
وبين أن الاحتلال سيلجأ لانتفاضة ثقافية عبر توثيق أكاذيب من خلال أبحاث وترويجها كسموم لمراكز الأبحاث والجامعات على مستوى العالم.
ورغم أن القرار أعاد الاهتمام للقضية الفلسطينية والدبلوماسية الفلسطينية التي منيت بنكسات على الصعيد الدولي مؤخرا، إلا أنه يحتاج لتفعيل واستثمار من قبل الأردن وفلسطين.