فُسرت استضافة القاهرة لمؤتمر بات يعرف بـ "مؤتمر دحلان" بأنها قرار رسمي مصري عربي بفرض القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان على قيادة السلطة الفلسطينية، ومحاولة لإقصاء رئيسها الحالي محمود عباس، الذي يرفض كل محاولات إصلاح ذات البين مع خصمه اللدود دحلان، لاسيما في ظل تخطي عباس لعتبة الثمانين خريفاً.
ونظم المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، أمس الأحد، مؤتمرا حمل عنوان "مصر والقضية الفلسطينية وانعكاس المتغيرات الإقليمية على القضية"، وشارك فيه العشرات من فلسطينيي مصر وغزة المحسوبين على "التيار المتجنح" في حركة فتح.
ولم تفلح المحاولات المصرية والفلسطينية في إظهار وكأن المؤتمر لا علاقة له بدحلان، وأنه يتبع مركز للدراسات، حتى وإن كان ذلك صحيحا لكن التزامن بين المؤتمر وفتح معبر رفح خصيصاً للسماح بسفر الشخصيات المدعوة لن يكون بريئاً أبداً.
كما أن إشراف المخابرات العامة المصرية على كل تفاصيل المؤتمر والدعوات واختيار الشخصيات والتوقيت، يعكس تبنيًا مصريًا رسميًا للمؤتمر الذي من المتوقع أن ينتج عنه تداعيات مهمة على أكثر من صعيد.
ولا يمكن القول إن مصر أقدمت على هذه الخطوة دون توافق واطلاع عربي على الأقل من الامارات التي تتبنى ذات الموقف المصري من دحلان، والسعودية رغم التوتر الكبير الذي يشوب علاقتها بمصر حاليا بسبب الموقف من سوريا وإيران.
التوافق العربي على هذه الخطوة إن صح قد يكون أشبه بسحب الشرعية العربية عن أبو مازن أو على الأقل عدم دعمه سياسياً، وربما هذا يفسر الخطورة الكبيرة التي يستشعرها الرجل، وكأن دحلان بات ينازعه شرعيته العربية.
وفي وقت سابق، كشف قيادي بارز في حركة "فتح"، للرسالة عن توجه وفد رفيع المستوى من الحركة إلى العاصمة المصرية القاهرة، لبحث ملفات هامة أبرزها "مؤتمر دحلان"، ومحاولة الضغط من أجل إفشال هذا المؤتمر وعدم عقده على أرضيها.
محاولات عباس الاستباقية لمنع المؤتمر لم تثمر، وهو يدرك أن مصر باتت حاسمة في موقفها خاصة أن العلاقات بينه وبين القيادة المصرية الحالية يشوبها التوتر والفتور بعدما رفض كل تدخلاتها ومبادراتها للمصالحة مع خصمه، لذا يحاول أن يخفف من وطأة التداعيات التي قد تنتج عن المؤتمر وذلك من خلال إرسال الطيب عبد الرحيم لمنع شخصيات مصرية وازنة من المشاركة مثل أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط.
وكان لافتا حجم الهجوم الفتحاوي على المؤتمر ما يعكس حجم التخوفات منه، حيث قال المتحدث باسم الحركة أسامة القواسمي: "إن مناقشة القضية الفلسطينية وترتيب الأوضاع الداخلية لحركة فتح يتم من خلال المؤسسات الرسمية للشعب الفلسطيني المتمثلة بمنظمة التحرير والأطر التنظيمية للحركة".
وقال في بيان صحفي: "هذا الأمر مرفوض لدينا تماما، وما يحاول أن يقوم به المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أمر مرفوض، وتدخل في شؤوننا الداخلية، وما ينتج عنه باطل وغير شرعي"، وفق قوله.
في المقابل يحاول أبو مازن أن يوظف كل أذرعه الأمنية والمالية لإفشال الخطوة، حيث حذر جهاز الأمن الوقائي الذي أسسه سابقاً دحلان جميع عناصره في مصر من المشاركة في المؤتمر الذي قال إنه يهدف للمساس بالمشروع الوطني والشرعية الفلسطينية الممثلة بالقيادة السياسية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها الرئيس عباس.
وليس بعيدا عن الحدث المكالمة الهاتفية المسربة لمسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية اللواء وائل الصفتي، ودحلان، والتي تضمنت هجوما شرسا على عباس وعدد من القيادات الفلسطينية، فقد تحدث اللواء بحميمية واحترام كبيرين مع دحلان وكأنه رئيس دولة فيما طغى على حديثه عن عباس الازدراء والإهانة خاصة عندما وصفه بالرجل الخرف والعاجز عن قيادة السلطة ما بات يعكس الموقف المصري الرسمي.
ومن البديهي أن هذه الخطوة المصرية التي تأتي بعد سلسلة أحداث وتوترات بين السلطة ومصر ستؤدي للمزيد من التوتر لكن من غير المتوقع أن تصل حد القطيعة، خاصة أن عباس لن يسمح بترك الساحة المصرية لدحلان رغم علمه بموقف القيادة فيها والتي تصطف علانية إلى جانب دحلان في الصراع بين الرجلين، ومع ذلك فقد حاول عباس سابقاً أن يسحب البساط المصري من تحت أقدام دحلان، وسيبقى يصارعه لأن خسارة الشرعية المصرية والعربية بمثابة أول مسمار في نعشه.
الخطوة المصرية الحالية تشكل كسر عظم بالنسبة لعباس بعدما حاولت مصر بكل الطرق إتمام المصالحة بينه وبين دحلان، بل ودفعت الأخير للتنازل في بعض الجوانب في سبيل أن يلين عباس موقفه لكنه عاد وراوغ ورفض كل أشكال المصالحة ما دفع مصر أن تصل لمرحلة الحسم ولي ذراعه بهذه الخطوة الخطيرة.
ويبقى السؤال هنا هل ينحني أبو مازن "رجل الاقصاء والصراعات" للعاصفة ويخضع للمصالحة مع دحلان تحت سيف الشرعية العربية أم يذهب اتجاه المزيد من التشدد في موقفه؟، خاصة أن فرصه في اللجوء لداعميه من الغرب ضعيفة أمام دحلان صاحب العلاقات الغربية الإسرائيلية القوية والتي ترى فيه أيضا الشخص الأنسب لرئاسة المقاطعة.