يختلف واقع الصحافي الفلسطيني عن زملائه في أنحاء العالم، فرغم اجتهاده في نقل الأحداث المختلفة، لاسيما الساخنة وذات الخطورة العالية، إلا أنه يتعرض لانتهاكات بصور مختلفة على يد الاحتلال الإسرائيلي والسلطات الحاكمة دون أن يجد نقابة تحميه وتدافع عن حقوقه.
ومع مرور يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني الذي صادف السادس والعشرين من سبتمبر الماضي، تسابقت المؤسسات الإعلامية لتسليط الضوء على واقع الصحافيين الفلسطينيين، لاسيما أنهم لا يجدون على أرض الواقع من يتضامن معهم عند وقوعهم في المشكلات أثناء عملهم، خاصة في ظل وجود نقابة مسيسة تحكمها الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية.
ومع أن الصحفيين الفلسطينيين بتوجهاتهم السياسية المختلفة، يؤثرون على الرأي العام وتشكيله، إلا أنهم لم يتمكنوا طيلة السنوات الماضية من توحيد نقابتهم وتحديد أهدافها.
وتجدر الإشارة إلى أن نقابة الصحفيين قبل انشائها كانت تسمى "رابطة الصحفيين الفلسطينيين" قبل مجيء السلطة الوطنية عام 1994م، إلى أن تحولت إلى نقابة الصحفيين الفلسطينيين، هذه الرابطة أو النقابة فيما بعد بُنيت بجهد كوادر وطنية، جزء من هذه الكوادر تعرض للاعتقال والإهانة بسبب الانتماء للعمل النقابي لأن الانتساب للنقابات الفلسطينية كان تهمة من قبل الاحتلال ومخابراته.
المجتمع الصحفي "نخبة"
ومع إعادة تشكيل المؤسسات الفلسطينية عام 1984، شكلت نقابة الصحفيين، لكنها اعتمدت في عملها الخلط بين العمل المهني والفصائلي، فظلت لسنوات طويلة تحمل رؤية وبرنامجا واحدا، مما أفقدها جزءا مهما من برنامجها الذي يؤكد على أهمية الوحدة الفلسطينية في مؤسسة تعد من أهم المؤسسات الوطنية، والتي تقع على عاتقها مسئولية وطنية كبيرة تتمثل في نقل صور وأشكال معاناة شعب تحت الاحتلال.
وفي هذا السياق، تقول وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات الاعلامية "للرسالة":" لا يزال الصحفي الفلسطيني يواصل نقل الحقيقة رغم المعاناة التي يتعرض لها سواء من اعتقال أو قتل أو هدم منازل، دون وجود رقابة تضع حداً لتلك الانتهاكات، وتدفع بالجهات المختصة للتوجه للمحاكم الدولية وجلب حقوق الصحفيين".
وترى أن يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني، لابد أن يتحرك فيه الجميع للتوحد كي ترفع الأجهزة الأمنية الفلسطينية قبضتها عن كل من يعتقل على خلفية الرأي والتعبير.
وأكدت عبد الرحمن، أن الكتل الصحفية والنقابة لم تقف أي منها أمام مسئولياتها، لاسيما وأن جميعهم يدعي أنهم نخبة المجتمع وقادرين على تقديم شيء مختلف لكنهم فشلوا، مما ساهم في عدم إجراء انتخابات نقابية يشارك فيها الكل الصحفي، مشيرة إلى أن فكرة وجود نقابة قوية لا يعني فقط جلب الحقوق من الاحتلال والسلطات الحاكمة فقط بل الحصول على الحقوق المادية والتأمين الصحي وغيره.
ووفق قول مديرة مؤسسة فلسطينيات، فإنه ليس من العيب أن يكون الصحفي مسيسا، لكنها ترفض أن تكون نقابة الصحفيين فصائلية، موضحة أن المجتمع الصحفي وهو النخبة يقع اللوم الأكبر عليه لانفلات الواقع داخل نقابته.
وأوضحت أنه لا يمكن اعتبار أي صحفي عضوا نقابيا، لأن العمل النقابي له احتياجاته، مثل تفهم حقوق الزملاء، لافتة في الوقت ذاته إلى أن المشكلات بين الصحفيين تؤذي العمل النقابي.
وتحدثت عبد الرحمن عن مبادرة قدمتها مؤسستها لتوحيد العمل النقابي، تنص على تشكيل لجنة حكماء لعمل لجنة نقابة توافقية تضم الكتل المختلفة من نشطاء نقابيين وقضاة سابقين ومؤسسات تهتم بحقوق الإنسان.
وفي ذات الوقت، أشارت إلى تفاؤلها من نجاح المبادرة كون حركة حماس في قطاع غزة أبدت استعدادها للتعاون، لكنها لا تزال تنتظر موافقة حركة فتح.
الواسطة والمحسوبية
آخر مرة أجريت فيها الانتخابات في نقابة الصحفيين كانت 2010 في الضفة دون غزة، وسط مقاطعة من بعض الفصائل نظراً لوجود ملاحظات لديها تتعلق باقتسام النقابة بالتوافق مع التوجه السياسي، مما خلق حالة من الصراع أدت لتشكيل أمانة عامة أدارت النقابة وما زالت حتى تاريخه تُديرها.
وفي يناير 2012م أعلنت النقابة فتح باب التنسيب لعضويتها، بعد عدة أعوام من غلق هذا الحق النقابي لشريحة واسعة من الصحفيين والعاملين، بينما تم اعتماد العضوية ببطاقة تم تسميتها بطاقة "التعريف" خلال هذه السنوات.
واتضح مع نشر أسماء الأعضاء المقبولين لعضوية النقابة، أن الطريق للوصول لعضوية النقابة هو الواسطة والمحسوبية، فإما أن تكون محسوباً على كوتة معينة، أو تكون حجر شطرنج يتحرك بتعليمات من المسيطرين على قرار النقابة ووفق رغباتهم.
وهنا يقول عماد الإفرنجي، رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين: "رغم التضحيات التي يقدمها الصحفي الفلسطيني، إلا أنه يفتقد نقابة تحميه، الأمر الذي يدفع الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة انتهاكاته ضدهم".
وعن غياب التضامن بين الصحفيين أنفسهم، يرجع الأمر إلى أن النزعة السياسية لدى البعض تحول دون ذلك، بالإضافة إلى أن تطاول السلطة التنفيذية على الصحفي يعزز ما سبق، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه ليس مطلوبا أن يتماثل الجميع لكن يفترض ألا تتصادم الأفكار.
ووصف وضع نقابة الصحفيين بأنها في حالة موت سريري، ومضى يقول: "الجميع تفرق ويتعامل معها وكأنها سيارة التنظيم، ويريد حصد المزيد من الامتيازات على حساب زملائه"، مبيناً أنه لا يشعر أي من الصحفيين بنقابتهم كونها ترفضهم حينما لا تعجبها أفكارهم، بدلا من احتضانهم.
ووفق قوله، فإن نقيب الصحفيين تغير، ولم يشعر أي من الصحفيين بذلك، عدا عن مشاركة صحفيين عبر النقابة في مؤتمرات دولية لا يعلم بهم أحد. ودعا الافرنجي إلى ضرورة عقد اجتماع عاجل وطارئ ليجلس حكماء الصحفيين ليؤسسوا شروطا أفضل للانتساب إلى النقابة ومن ثم تنظيم الانتخابات.
وختم حديثه بالقول: "نحن لسنا قطيعا من الأغنام يسيرها البعض كما يشاء (..) نحن قادة الرأي العام وعلى الجميع أن يعمل لجلب حقوق الصحفيين من خلال إيجاد نقابة موحدة تمثل بيتاً صحفياً لهم".