كم كان الأمر محزنا للمرء أن يطالع تعليقات متصفحي موقع "وللا" الإخباري الصهيوني على صورة رئيس سلطة رام الله محمود عباس وهو يبكي في جنازة المجرم شمعون بيريس. لقد ردت الأغلبية الساحقة من المعلقين على هذه الصورة بوابل من عبارات التحقير والإهانة، حيث اعتبروا أن مشاركته "أساءت" لـ(إسرائيل) ومثلت إهانة لبيريس.
لم يكن لأحد أن يتوقع أن يحصل عباس على غير هذا الرد بعد أن تجرد من كل رادع قيمي وأخلاقي ووطني وديني وإنساني بتكريم قاتل الأطفال والنساء ومفجر البيوت وأبو المشروع الاستيطاني ومؤسس البرنامج النووي.
لقد جاءت مشاركة عباس في الجنازة اتساقا مع منهجه القائم على محاولة التقرب والانفتاح على الرأي العام الصهيوني، فما كان من الصهاينة إلا أن عاملوه بالمعاملة التي يستحقها. لقد حرص نتنياهو على ذكر أسماء جميع الذين شاركوا في الجنازة من الزعماء الأجانب، لكنه رفض ذكر اسم عباس.
ليس هذا فحسب، بل إن مصافحة عباس لنتنياهو تحولت إلى مناسبة أخرى لتحقيره إسرائيليا. فقد وبخ عدد من الوزراء الصهاينة نتنياهو على موافقته على مصافحة عباس، على اعتبار أنه لا يستحق هذا "التكريم".
وفي الحقيقة أن أحدا لم يكن له أن يتوقع سلوكا آخر من عباس، الذي سبق له أن شكر مجرما صهيونيا آخر وهو أرئيل شارون لأنه شن حرب 1982 التي قتل فيها عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين بدعوى أن هذه الحرب حررت منظمة التحرير من تأثير الدول العربية بشكل أفضى إلى بروز المعسكر الداعي للتسوية السياسية داخل المنظمة بشكل قوي.
إن عباس الذي تملق الصهاينة بالقول إنه لا يرغب بالعودة إلى مسقط رأسه مدينة صفد وأنه يدرك أن المطالبة بعودة اللاجئين إلى المناطق التي شردوا منها أمر غير واقعي، ليس من المستهجن أن يقدم على هذا الفعل.
وعباس الذي رفض رفع دعوى أمام مجلس حقوق الإنسان في أعقاب صدور تقرير "غولدستون" في أعقاب حرب 2008، التي قتل فيها وجرح الآلاف من أبناء شعبه الذين يفترض أنه يمثلهم، لن يشعر بوخز ضمير عندما يشارك في جنازة القاتل بيريس.
لقد تزامنت مشاركة عباس في تشييع جنازة بيريس مع تأكيد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على تعاظم مظاهر التعاون الأمني بين جيش الاحتلال وأجهزة عباس الأمنية.
ويشمل التقرير الذي أعده الصحافي عاموس هارئيل ونشرته صحيفة "هارتس" الجمعة الماضي تفاصيل كثيرة حول إستراتيجية متكاملة تقوم على تبادل الأدوار بين أمن عباس ومخابرات الاحتلال لإجهاض انتفاضة القدس.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف بالإمكان اقناع العالم بالضغط على الكيان الصهيوني لتغيير موقفه من الصراع في حال أن من يدعي أنه يمثل الشعب الفلسطيني يقدم على هذه الخطوة.
كيف يمكن لأحد في العالم أن يتعامل بجدية مع مسؤول ملف المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات وهو يسب المشروع الاستيطان الصهيوني ويدعو العالم للضغط على (تل أبيب) لوقفه وهو يشارك، إلى جانب عباس، في تشييع جنازة بيريس، الذي يعتبر أبو المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، باعتراف المستوطنين أنفسهم.
إن التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني حاليا يكمن في حقيقة أن مشاركة عباس في تشييع جنازة بيريس تكشف في الواقع عن فشل الفصائل وقوى الشعب الفلسطيني في التصدي لعباس وتفريطه بحقوق الشعب الفلسطيني.
فإصدار بيانات التنديد والشجب لمشاركة عباس في التشييع لن تجدي نفعا، ولن يوقف الانهيار الكبير في سقف التوقعات الفلسطينية ويترك القضية في مهب الريح.
إن عباس يستغل السلبية التي يتسم بها سلوك الفصائل والقوى المجتمعية الفلسطينية ويواصل سلوكه المهين للشعب الفلسطيني وقضيته.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن لفصيل أن يجمع بين انتقاد عباس وسلوكه وفي الوقت ذاته السعي للتواصل معه وحل معضلة الانقسام، لأن عباس لن يقبل بإنهاء حالة الانقسام إلا وفق منطلقاته ومواقفه.
بدلا من السعي لإنهاء الانقسام مع عباس، يتوجب السعي والعمل من أجل إيجاد بيئة وطنية سياسية وجماهيرية مجتمعية تقلص من فرص بقاء عباس وبرنامجه، مع العلم أنه بخلاف ما يحاول أن يعكسه عباس، فإن أوضاع سلطته بالغة السوء وقدرته على السيطرة تتراجع يوما بعد يوم.