جيشت سلطات الاحتلال قواها الدبلوماسية والسياسية طيلة الأسابيع الماضية لمحاربة الفلسطينيين في ساحة جديدة، تمثلت في إيقاف حسابات الناشطين الفلسطينيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها دور بارز في انتفاضة القدس.
وخلال الأيام القليلة الماضية، أقدمت إدارة فيسبوك على حذف عشرات الحسابات التابعة لناشطين فلسطينيين بشكل نهائي، مما حذا بهم إطلاق حملات رافضة لاتفاق "فيسبوك" مع "السلطات الإسرائيلية" في مواجهة ما تصفه "إسرائيل" بـ "التحريض على الإرهاب".
وفي المقابل، حاول الناشطون الفلسطينيون التصدي للهجمة الإسرائيلية، عبر عدة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي لاقت اهتماما واسعا، بلغ 200 مليون عضو في مواقع التواصل وفق إحصائيات رسمية، مما حذا بإدارة فيسبوك إلى الاعتذار عن إغلاق صفحات فلسطينية.
اعتذار فيسبوك واجهته "إسرائيل" بوجه من الغضب وفق ما ذكرت صحيفة معاريف على موقعها الإلكتروني بأن قرار إدارة موقع فيس بوك بإعادة تلك الصفحات ورفع الحظر الذي فرضته على مدرائها أثار حفيظة أوساط سياسية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي والتي اعتبرت الخطوة بمثابة "إعطاء مساحة أكبر لتلك الصفحات لقلب الحقائق والترويج للعمليات الفلسطينية التي تستهدف الصهاينة"، وفق زعمها.
وكانت مصادر عبرية قد أكدت أن ما يسمى وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، "غلعاد إردان"، وما تسمى وزيرة القضاء "آييلت شاكيد"، قد أجريا لقاء مع مسؤولين كبار في شركة "فيسبوك" بحضور مندوبين عن الشرطة والنيابة العامة. وذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن الطرفين اتفقا على توطيد التعاون بهدف شطب "مضامين تحريضية".
وقالت شاكيد في مؤتمر دولي لـ"لمكافحة الإرهاب" في هرتسيليا: "إن شبكة "فيسبوك" قبلت 95 في المئة من التوجهات الإسرائيلية لها، وشطبت مضامين "تحريضية"، فيما قبلت "يوتيوب" 80 في المئة من التوجهات الإسرائيلية".
وتطالب السلطات الإسرائيلية "فيسبوك" بشطب مضامين تشتمل على عبارات مثل انتفاضة وشهيد و"الموت لليهود"، وتضغط على إدارة "فيسبوك" منذ بدء الانتفاضة لشطب وإزالة حسابات فلسطينية ومضامين بحجة التحريض.
وكانت ما تسمى اللجنة الوزاريّة لشؤون التّشريع قد صادقت مؤخرا على مشروع قانون تقدّمت به عضو الكنيست عن حزب "المعسكر الصّهيونيّ"، "رفيطال سويد"، يلزم شركة "فيسبوك" وشركات إنترنت أخرى للعمل على مراقبة وإزالة المضامين التي تحوي "دعما لقتل وتحريض على الإرهاب"، كما جاء في مسوّدة مقترح القانون. ويشتمل مشروع القانون على غرامات ماليّة عالية تطال المخالفين، تصل قيمتها حتّى 300 ألف شيكل.
ما سبق، جاء بناء على ما توصلت إليه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأن النشاط الإلكتروني الفلسطيني زاد من عدد العمليات ضد المستوطنين والجنود خلال أشهر الانتفاضة المندلعة منذ أكتوبر الماضي.
وفي تفاصيل ذلك، قالت دراسة إسرائيلية إن شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد يلعبان دورًا مركزيًا في "التحريض على تنفيذ هجمات فلسطينية ضد إسرائيليين، لاسيما من قبل الجيل الفلسطيني الصاعد، بما يؤكد أن هذه الشبكات تسهم في إشعال الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية".
وأشارت صحيفة معاريف إلى أن البحث الذي أعده هارئيل خوريف، وسيصدر قريبا عن مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، التابع لجامعة تل أبيب، لاحظ أن الفلسطينيين سرعان ما ينشؤون صفحات فيسبوك لمنفذي هذه الهجمات بأسمائهم، وتحظى بعشرات الآلاف من المتابعين.
وجاء في البحث أن هذه الصفحات على مواقع التواصل تحولت إلى ساحات نقاش جادة، وتجمّع افتراضي قادر على إنتاج فعل ميداني على أرض الواقع. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام المخابرات الإسرائيلية في كيفية إلقاء القبض على المجموعة التي تخطط للعملية القادمة على شبكة الإنترنت.
تقييد حرية التعبير
من جهته، أعرب المرصد الأورومتوسطي خلال كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضمن أعمال الدورة 33 لاجتماعات المجلس عن قلقه البالغ عقب ما بدأت تمارسه بعض شركات الإعلام الاجتماعي في تقييد حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير على أساس تمييزي، والذي مثَّلهُ الاتفاق الأخير بين شركة "فيسبوك" و"إسرائيل".
وعبَر المرصد عن خشيته أن ترتكب الشركة بموجبه خروقات قائمة على التمييز بما يسهم في تغييب الرواية الفلسطينية أمام الرواية الإسرائيلية وغض الطرف عن الموجة الواسعة للتحريض والكراهية التي يمارسها بعض قادة "إسرائيل".
وقال المرصد إن الاتفاقية تقوض رواية الضحايا من الفلسطينيين، لافتاً إلى الدور السلبي الذي تلعبه الاتفاقية من خلال تحكمها في إحدى أشكال التعبير الحديثة "المواطن الصحفي" وهو الذي تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي.
على أي حال، يبدو أن "إسرائيل" تسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى إخماد جذوة الانتفاضة، على الأصعدة كافة، مما يستدعي اهتمامًا فلسطينيًا لمواجهة الحملات "الإسرائيلية" الأمنية منها والإعلامية.