قائمة الموقع

العلمانيون في (إسرائيل) وزهدهم في الخدمة العسكرية

2016-09-04T06:56:52+03:00
د.صالح النعامي

أدت التطورات الاقتصادية الاجتماعية في منتصف الثمانينيات الناجمة عن الأزمة الاقتصادية إلى نزوع قطاعات واسعة من الإسرائيليين نحو الفردية وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة؛ وكان من أوضح مظاهر هذه الأزمة تراجع الدافعية للتطوع للخدمة في الوحدات المقاتلة في الجيش. وفي أواسط التسعينيات كرست التطورات السياسية التي تمثلت بشكل أساسي في التوقيع على اتفاقات التسوية مع كل من منظمة التحرير والأردن وسيادة انطباع أن المخاطر على وجود الدولة قد تراجعت بشكل كبير، مما أدى إلى تقليص الدافعية في أوساط الشباب العلماني للتجند للخدمة العسكرية.

  وفي نفس الوقت فإنه بات هناك إدراك متزايد في أوساط مجموعات مهمة في المجتمع الإسرائيلي بما في ذلك داخل الجيش بخصوص التكلفة الباهظة لاستمرار الصراع. وأدى هذا الواقع إلى تقليص مكانة الجيش وتعاظم التسلل المدني للجيش، كما أدى إلى تآكل واضح على منظومة القيم الإسرائيلية، سيما فيما يتعلق بالموقف من الموت والثكل والتضحية من أجل " الوطن "، وضعفت السمات المميزة للمحارب الإسرائيلي كما ارتسمت في أذهان الإسرائيليين، سيما أن هذه التطورات تزامنت مع التورط الإسرائيلي العسكري في جنوب لبنان والذي أدى ليس فقط إلى تكبد (إسرائيل) خسائر كبيرة في الأرواح، بل إن هذه التجربة أظهرت لأول مرة عجز (إسرائيل) عن حسم الصراع في مواجهة منظمة تعتمد حرب العصابات.

 وقد بدل المجتمع المدني موقفه تجاه الحرب والجيش وما يرمز إليه. فحتى تلك الأيام كان ينظر للجيش على أنه العنصر الأساس في بناء "الأمة "، حيث مثلت الخدمة العسكرية قلب الإجماع، وتم تكريسها وسيلةً وحيدةً لتحقيق الانتماء والعضوية في المجتمع والدولة، وكانت قضايا الأمن تقع على رأس جدول الأولويات الوطنية؛ حيث كان الجيش يحتل مكانة رمزية عالية، وتكرس انطباع أنه جسم غير سياسي وفوق النقد.

 ولقد أدى عهد التوقيع على المعاهدات السياسية والفشل في الميدان العسكري، وما رافقه من جدل حول "الأهداف القومية"، إلى المس بمكانة الجيش الرمزية، علاوة على أنه لم يعد هناك تقاسم في عبء الخدمة العسكرية، مما قلص من الطابع الجماعي للخدمة للجيش.

 ومما لا شك فيه فقد تشكلت فوارق بين توجهات فردية ومادية في المجتمع المدني، كما سادت التوجهات الاقتصادية الغربية، مثل اللهاث وراء النجاح بدون ضوابط، بما سمح بظهور مسارات ريادية اجتماعية بديلة عن مسار الخدمة العسكرية. وتبعاً لذلك فقد قلت نسبة المجندين من أصحاب القدرة القتالية في الفترة الممتدة بين عامي 1985و 1994بمعدل عشرة بالمائة، واستمر الهبوط في الدافعية للخدمة العسكرية.

وقد عزا الجيش هذه الهبوط إلى ثلاثة عوامل، وهي: التغيرات الأيدلوجية، وبصفة خاصة الانخفاض في أهمية الأيدلوجيا الصهيونية في نظر الشباب العلماني؛ والتراجع في التقدير الجماهيري للجيش؛ ومسيرة التسوية مع العرب.

ونظراً لأن هذه الأزمة حدثت في أوساط الجنود الذين يخدمون في الخدمة الإلزامية في الجيش، فقد كان من الواضح أنها تعبر عن تغيير في منظومة القيم التي يستند إليها المجتمع المدني في (إسرائيل)؛ علاوة على أنها شكلت مؤشراً على اتجاهات محتملة في تطور علاقات المجتمع والجيش.

ومن الأسباب التي أدت إلى المس بالدافعية للخدمة العسكرية تفجر أزمة قوات الاحتياط، حيث أخذ كثير من الجنود الذين يتجندون لخدمة الاحتياط يشتكون من التوزيع غير المتكافئ لعبء الخدمة العسكرية، ويتذمرون من طول خدمة الاحتياط، بالإضافة إلى عدم وجود مكافآت اقتصادية مناسبة.

وقد بات كثير من العلمانيين يربط بين الخدمة العسكرية والعوائد الاقتصادية، ولم يعد ينظرون للخدمة العسكرية على أنها مهمة وطنية، وهو ما دلل على هبوط مكانة الجيش لديهم. وقد عبر رئيس شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي أواسط التسعينيات الجنرال غير ريغيف عن هذا الانطباع عندما قال: "لقد نشأت للجيش صورة أقل إيجابية وإن كان شخص ما يرتدي البزة العسكرية فإن محيطه سيعبر عن حالة من عدم الرضا".

ونظراً لإدراك المؤسسة العسكرية حدوث هذا التغيير في موقف المجتمع من الجيش فقد حرصت هيئة أركان الجيش على بلورة سياسة ثورية في مجال تجنيد الاحتياط، حيث تم تقليص استدعاء قوات الاحتياط وتخفيض سن اعتزال خدمة الاحتياط بالنسبة للرجال.

 ومنذ عام 1948 وحتى أواسط الثمانينيات كان هناك تطابق بين النخبة السياسية الحاكمة والنخبة العسكرية، حيث سيطر العلمانيون خلال هذه الفترة على المواقع القيادية في الجيش بفعل تطوع شبابهم للخدمة في الوحدات المختارة، ونظراً لأن الكيبوتس هو معقل العلمانية الغربية في (إسرائيل)، فقد كان تمثيل أبناء الكيبوتس يفوق ثلاثة أضعاف نسبتهم في السكان.

لكن مع حلول مطلع التسعينات، هبطت نسبة تمثيل العلمانيين في المستويات القيادية في الجيش الإسرائيلي بشكل واضح وزادت نسبة أتباع التيار الديني الصهيوني بشكل كبير.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00