الأسيران المضربان عن الطعام

بلبول في رسالةٍ لأمهم: نحن أحرار بدعاك يا نبض الفؤاد

الأسيران بلبول
الأسيران بلبول

الرسالة- محمد أبو زايدة

مترنحٌ على سريرِه داخل المستشفى يشدو بأناشيدٍ يعتبرها زاده الذي حرّمه على نفسه قبل انتزاع حقوقه من سجّانه، وكلّما ضاقت عليه الدُنيا يغنّي لحنًا لشقيقه الذي يجاوره السجن: "لا تنسى أمك في هيام وأباك نالته السهام.. قد لاح في الأفق البعيد مسافرا في الأفق هام".

ولكنّ كثيرًا ما قطع جلّاد السجن "الإسرائيلي" صوته الذي بالكاد يخرج من حنجرته نتيجة إضرابه المتواصل عن الطعام لليوم الـ(60) على التوالي، وغالبًا ما يصرخ في وجهه: "اصمت يا محمّد بلبول.. ستبقى أنت وشقيقك محمود في سجوننا ولن يرهبنا إضرابكما عن الطعام..".

تقول أم محمّد التي وصلتها رسالة نجليها المعتقلان إداريًا في سجون الاحتلال: "كانا يزيحان عناء اليوم عن كاهلي حينما أنظر  إلى عينيهما وهما يحيطان بي، أفتقد وجودهما داخل المنزل الذي كان يتزيّن بأصواتهما.. لقد خافت إسرائيل على نفسها؛ فاعتقلتهما".

تصحبنا أمّ محمد في جولةٍ داخل بيتها الذي شهِد تفجيرًا من قواتِ الاحتلال أثناء اعتقال أبنائها، تقول: "كانت الساعة الثالثة فجرًا، والجميع نيام، لا نسمع صوتًا إلّا أذكار المستغفرين داخل البيت، ولكنّ حركةً غير اعتيادية بدأت ألاحظها".

كانت قفزات الجنود على جدران البيت يسمع صوتها، وهمسات الضابط وهو يعطي تعليماته لعناصره تشي بنوعٍ من الرهبة، وحركات آلياتِ الاحتلال تسير متجهة نحو المنزل تخبر الجيران أنّ حدثًا ما سوف يقع في تلك الليلة.

ليلة التاسع من يونيو هذا العام، سُمعت حركاتُ أيادٍ وأصواتٍ غير مفهومة وكأنّها تعويذاتُ شيخٍ قارب على التسعين، وتبعها صوتٌ يعطي أوامره صارخًا بعد حركةٍ بيديه: "فجّر".

صوتُ الانفجار أفزع من في البيت، ركض الجميع يتفقّد الواقعة، فكانت أضواء كشافات جنود الاحتلال تشعّ غضبًا في وجوه ساكني المكان، ويصرخ في وجههم الضابط مرة أخرى: "اخلوا البيت.. يلا.. يلا .. بسرعة..".

ذهب مُحمّد إلى والدته التي تجهّز نفسها للقاءِ ضيفٍ غريب غير مرحب به، وضعت على نفسها ثياب الصلاة، وسألت نجلها، "اليهود يا إمّي؟"، أجابها "صحيح.. بسرعة، يبدو جايين يعتقلونا".

كانت عبارات الضابط الذي أحاط بأوامره جميع جدران المنزل؛ كفيلة بأن تلقي في قلب العائلة احساسًا أنّهم ذاهبون إلى مصيرٍ مجهول، لكنّ دعاء الأم "حسبنا الله ونعم الوكيل"، والتي قطعت به صوت الضابط حينما أمر باعتقال نجليها "محمود، ومحمد"؛ أوقع طمأنينة لدى أبنائها، فنظروا إليها نظرة اللقاء الأخير قبل الاعتقال، وقال كبيرهم –محمد (26 عامًا)-: "ما تخافي يا إمّي.. بدنا دعواتك ورضاك علينا".

تقول الأمّ: "في تلك اللحظة مكثت وحيدةً في البيت، فكان قبلها بالثاني عشر من آذار 2008؛ قد اغتال الاحتلال زوجي في بيت لحم، وفي الرابع عشر من أبريل لهذا العام، اعتقل ابنتي الوحيدة "نورهان"؛ بعد توقيفها على الحاجز الشمالي لبيت لحم والمعروف باسم (معبر300)".

ادّعى الاحتلال عقب اعتقال "نورهان" في ذلك الوقت، أنّه عثر بحوزتها على سكين، واتهمها بمحاولة تنفيذ عملية طعنٍ لجنود الاحتلال، فحكم عليها بأربعة أشهرٍ.

"وحيدة في البيت، ورائحة الذكرياتِ تؤنّس وحشتي.."، تقول الأمّ لـ"الرسالة نت"، وتضيف عبر سمّاعة الهاتف الذي أوصلنا بها: "لم يكتفِ الاحتلال بإعدامِ رب الأسرة، واعتقال ابنتي نورهان، إنما قام بارتكاب جريمة ثالثة بحق العائلة باعتقال باقي الأبناء -محمد ومحمود-، وحولهما إلى الاعتقال الإداري لمدة 6 أشهر دون تهمه أو محاكمة" .

تتابع: "أكثر ما كان يؤلمني ويشغل تفكيري بشكل مستمر هو اعتقال "نورهان" فأبنائي رجال لا أخشى عليهم رغم لهفتي وشوقي لهم، لكنّ صغيرتي كيف ستتدبر أمورها في السجن وتتعامل مع عذابات السجان".

استمرّت أم محمد وحيدة في بيتها، لا تجد سوى بعض الأقارب والجيران يدلون عليها بعباراتِ المواساة، وقلبها يتفطّر شوقًا على أبنائها، ومع شهرِ رمضان المبارك؛ قضته وحيدة على سفرة الطعام الذي كان يجمع العائلة بأكملها قبل غدر الاحتلال وشنّه سلسلة جرائم بحق العائلة.

تستطرد: "لم أشعر بسعادة أو راحة بال طيلة تلك الفترة، ولم أجد في رمضان المنصرم سوى وجع تغلغل لداخلي.. كُنت أجلس وحيدة على سفرة الطعام، وأتفقّد المقاعد التي كان أبنائي يشاركوني في الجلوس عليها، ورغيف الخبز الذي نتقاسمه معًا، ومديح أحدهم لطعامي، والآخر يسمعني كلام الحب، وكثيرًا ما ينشغل تفكيري في أوّل "لقمةٍ" أضعها في فمي.. ماذا يأكلون الآن، وماذا فعلوا في رمضان.. هل السجن موحشة أم بيتي أمسى أكثر وحشة؟".

قضت "نورهان" ثلاثة أشهرٍ في سجن "هشارون" الإسرائيلي، وقرر الاحتلال فك أسرها بغرامة مالية (2000 شيكل)، وبقي الشقيقان داخل أسوار السجن يناطحان قرارات الاحتلال؛ وسجنه التعسفي.

"سجنوهما بالحُكم الإداري؛ تحت بند أنّهما يشكلان خطرًا على دولة إسرائيل، وملفهما سرّي"، تقول الأمّ، وتشير إلى أنّ نجليها عزما الإضراب عن الطعام في سجن "عوفر"، وتتابع: "أضرب محمد عن الطعام منذ (1/7/2016، وأمّا محمد منذ 4/7/2016)".

استمرّ الأخوان في إضرابهما عن الطعام منذ ذلك التاريخ، وبدأت علامات الإعياء تظهر عليهما جليّة، إلى أن حذّر الأطباء "الإسرائيليون" من إصابتهما بالشلل؛ لا سيّما بعد رفض الشقيقين تناول المدعمات؛ فتمّ نقلهما إلى مستشفى "آساف هيروفيه".

وفي رسالةٍ وصلت الأمّ تخبرها أنّ نجليها يعانيان من تردٍّ في وضعهما الصحي بشكل خطير ومتسارع، ويعانيان من صعوبة بالحركة، كما إخضرارٍ في الأقدام، وقد فقدا أكثر من نصف وزنهما، ويتقيآ مادة صفراء اللون".

وأكثر ما أحزن فؤادها، أنّ الذي سمح له بزيارة نجليها، أخبرها أنّهما يقبعان في المستشفى مكبلا اليدين والأقدام في السرير، تستطرد الأمّ: "مُصرّان على المواصلة ففي إضرابهما عن الطعام حتى تتم الاستجابة لمطالبهما بوقف الاعتقال الإداري الجائر بحقهما".

تنهي حديثها لـ"الرسالة نت" بقولها: "وصلتني قبل أيّام رسالة من نجلي محمود عبر الصليب الأحمر، يخبرني فيها قائلًا: يا أمّي نحن لن نهزم.. نحن أحرار بدعاك يا نبض الفؤاد.. استعدّي لاستقبالنا فقد قارب موعد اللقاء المكلل بالانتصار.. سنبقى واقفين ولن نركع.. لن نخضع.. لن يوقفنا محتل عن انتزاع حقّنا".