يبدو أن قرار حركة حماس المفاجئ بالمشاركة في الانتخابات المحلية، التي دعت لها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في أكتوبر القادم، قد خلط الأوراق لدى دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني.
فقد تبين أن (تل أبيب) قد بنت حساباتها على عدم مشاركة الحركة في هذه الانتخابات.
وقد جاء قرار حماس في غمرة الجدل الدائر داخل (تل أبيب) بشأن طابع الإجراءات التي يتوجب القيام بها لمواجهة تبعات مرحلة ما بعد محمود عباس، حيث إن هناك مؤشرات صهيونية تدلل على أن هذه المرحلة باتت قريبة جداً.
وكما كشفت صحيفة "يديعوت أحرنوت" في عددها الصادر الجمعة الماضي ، فقد جاء قرار حماس بعيد اتخاذ وزير الحرب الجديد أفيغدور ليبرمان عدة قرارات تهدف إلى التمهيد لضمان الهدوء في مرحلة ما بعد عباس وعدم السماح لحركة حماس بالاستفادة من هذا الحدث، وعلى رأسها تدشين مدينة فلسطينية جديدة، على غرار مدينة "روابي" وتسهيل استصدار تصاريح البناء في منطقتي "أ" و"ب"، وغيرها.
ومما يثير حساسية الكيان الصهيوني حقيقة أنها تكاد تكون متأكدة بأن حماس ستفوز في جميع المدن الفلسطينية المهمة في الضفة الغربية، مما يعني أن الانتخابات ستحقق الكابوس الذي تخشى منه (تل أبيب)، حتى قبل غياب عباس.
وكما يقول المعلق الصهيوني إليكس فيشمان، فإن ليبرمان وفريقه وبدلاً من أن يتخذوا إجراءات لمواجهة تبعات غياب عباس، فإنهم الآن باتوا يحرصون على اتخاذ خطوات من أجل تحسين فرص فوز حركة فتح في هذه الانتخابات، مستدركاً أن فرص نجاح هذا التكتيك تبدو ضعيفة جداً بسبب خيبة الأمل المدوية التي تجتاح الضفة الغربية من أداء السلطة الفلسطينية التي تديرها حركة فتح.
ولا حاجة للتذكير أن (تل أبيب) لا تعني نتائج الانتخابات في قطاع غزة، في حين أن سيطرة حماس على مدن الضفة يمثل مؤشراً على إمكانية سيطرتها على الضفة الغربية بشكل عام.
وستزداد الأمور تعقيداً في حال جاءت الانتخابات البلدية قبل غياب عباس المتوقع صهيونياً، حيث إن التسريبات الصهيونية في هذا الشأن تتواتر على أن عهده شارف على الانتهاء، مع العلم أنه لم يتم الكشف عن الاعتبارات التي استندت إليها هذه التقديرات، فهل هي نتاج تقارير طبية حول وضعه الصحي أم مجرد توقعات عامة تأخذ بعين الاعتبار تجاوزه سن الثالثة والثمانين.
ومما لا شك فيه، فإن فوز حماس في الضفة الغربية يحقق كابوسا صهيونيا يتمثل في إعادة الاعتبار للوحدة السياسية لمناطق السلطة الفلسطينية.
من هنا، فإن هناك جملة من الاعتبارات يمكن أن تدفع الكيان الصهيوني لإفشال هذه الانتخابات أو تعمد التأثير على نتائجها بشكل كبير من خلال استغلال السيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة على الضفة الغربية.
من هنا، ففي حال توصلت تل أبيب إلى قناعة بأن إجراءاتها لتحسين فرص حركة فتح في الضفة الغربية بالفوز لن تسهم في تحقيق هذا الهدف، فأنها ستعمل على التشويش على إجراء هذه الانتخابات من خلال جملة من الإجراءات الأمنية التي تفضي إلى عدم توفر الحد الأدنى من الظروف اللازمة لإجراء هذه الانتخابات بشكل طبيعي.
فعلى سبيل المثال، وبغض النظر عن إجراء الانتخابات المحلية، فإن الجيش الصهيوني يواصل، منذ حزيران 2014، وبدون انقطاع تنفيذ إستراتيجية "اجتثاث العشب"، عبر شن حملات اعتقال ممنهجة تستهدف قيادات حركة حماس وناشطيها. ومن الواضح أن مواصلة شن هذه الحملات يقلص هامش المناورة أمام الحركة ويمس بظروف مشاركتها في هذه الانتخابات. وقد تعاظمت حدة حملات الاعتقال منذ تفجر انتفاضة القدس مطلع أكتوبر 2015، حيث تتهم محافل أمنية وسياسية صهيونية قيادات حماس بلعب دور رئيس في التحريض على عمليات المقاومة ذات الطابع الفردي. ومن الواضح أنه في حال واصلت تل أبيب حملات الاعتقال ضد قيادات ناشطي الحركة أو كثفتها مع اقتراب موعد الانتخابات، فإن هذا السلوك يضمن عدم توفير الحد الأدنى من البيئة التنافسية مما يفقد هذه الانتخابات قيمتها.
لكن إقدام الكيان الصهيوني على هذه الخطوة، وإن كان يحقق الرهان عليه بشكل آني، إلا أنه في المقابل سيكون شاهدا على أن آمال الصهاينة بتصميم الأوضاع في الضفة الغربية بما يحقق مصالحهم هي آمال في غير مكانها.
فليست القضية تتمثل في فوز حماس أو خسارة "فتح"، بل إن المشكلة تكمن في وجود الاحتلال وتواصله وعزم حكومة اليمين المتطرف في (تل أبيب) على تكريسه أكثر، لذا فإن الشعب الفلسطيني سيعاقب كل طرف فلسطيني يتعاون مع المخطط الصهيوني هذا.