شكل المرسوم الرئاسي الأخير بشأن تحديد "الكوتة المسيحية" في الانتخابات البلدية، مفاجأة للمسيحيين قبل المسلمين، باعتباره جاء في إطار غير قانوني وفي ظروف ليست مناسبة، كما يأتي لإثارة النزعات الطائفية والفتن بين طوائف المجتمع.
وكان رئيس السلطة محمود عباس أصدر مرسوماً، حدد فيه عدد أعضاء بعض المجالس المحلية، وخصص بعضها للطائفة المسيحية، وقضى بوجوب أن يكون رئيس هذه المجالس مسيحياً.
للتأثير على النتائج
وعدت حركة حماس، المرسوم "محاولة مسبقة للتأثير في نتائجها"، مؤكدة في تصريح صحفي للناطق باسمها سامي أبو زهري، رفضها إصدار أي قوانين ذات صلة بالعملية الانتخابية طالما أن هذه العملية قد بدأت فعلاً.
وأشارت الحركة إلى أن المرسوم يتعارض مع القانون الذي ينص على أن رئيس المجلس البلدي يجب أن يتم اختياره بالانتخاب من بين أعضاء المجلس، معربة عن تقديرها للإخوة المسيحيين الذين سبق أن رشحت عدداً منهم على قوائمها الخاصة.
وفي السياق، عبر النائب فتحي قرعاوي، عن أسفه الشديد لصدور المرسوم عباس، معتبراً أنه "جاء في الوقت غير المناسب وفي ظرف حساس تشهده الساحة الفلسطينية". وحذر قرعاوي في حديث لـ"الرسالة" من أن مثل هذا المرسوم من شأنه أن يشق الشارع الفلسطيني، مشدداً على أن مسألة التفرقة بين المسلمين والمسيحيين غير موجودة بالمطلق داخل الشعب الفلسطيني، وهناك مساواة في الحقوق والواجبات بينهم.
وقال "هناك لحمة واضحة بين المسيحيين والمسلمين باعتبارهم مواطنين فلسطينيين بالدرجة الأولى، فضلاً عن أنه لا يوجد أي تمييز بينهم في أي قضية من القضايا". وتوقع قرعاوي أن يكون هدف عباس من وراء هذا المرسوم "تشتيت الأصوات في دوائر الضفة الغربية"، وخلق أمر "غير وطني" لم يكن يخطر على بال أي فلسطيني، مشيراً إلى أن المسحيين في الضفة لهم في الظروف الطبيعية من مرشحين وأعضاء بلديات ومنهم من كان يرأسها بدون أي اعتراضات أو تحفظات.
ودعا قرعاوي الكل الفلسطيني إلى مراجعة هذا المرسوم والخروج بموقف موحد يمنع البلبلة في الشارع الفلسطيني فالجميع في غنى عنها.
لضمان تمثيلهم!
أما الوزير السابق في "حكومة فياض" غسان الخطيب عضو المكتب السياسي لحزب الشعب، فلم يستغرب من مضمون مرسوم عباس، زاعماً أنه كان معمولاً به في انتخابات البلديات في مدن الضفة المختلطة بين المسلمين والمسيحيين في كل العهود والأزمنة!.
وذكر الخطيب في حديثه لـ"الرسالة" أنه كانت هناك كوتة للمسيحيين من أيام العهد الأردني في الضفة، وأنه في فترة الاحتلال تم العمل بمثل هذه الكوتة مرتين، كما تم العمل بها في المرات القليلة التي جرت بها في عهد السلطة!!، على حد تعبيره.
ويرى الخطيب أن هذا المرسوم امتداد لأمر معهود ويتكرر في كل انتخابات محلية والهدف منه أن يكون هناك ضمان لتمثيل الطائفة المسيحية في المدن التي فيها عدد كبير من المسيحيين.
وبرر الخطيب لجوء عباس لإصدار المرسوم، لخشية الأخير من عدم تمثيل فئة المسيحيين بسبب تضاؤل أعدادهم، معتبراً أن المرسوم جاء لضمان أن يكون هناك تمثيل سواء اتفقت الكتل أم لم تتفق على إدراجهم في قوائمها.
استيراد للفتنة
من ناحيته، دحض المحلل السياسي عادل سمارة، الخشية التي عبر عنها من سبقه بالحديث، مؤكداً أنه بالعادة يتم إدراج المسيحيين في القوائم الانتخابية، ولاسيما حركة حماس باعتبارها منفتحة في هذا الموضوع.
وقال سمارة لـ"الرسالة": "لسوء الحظ أننا في فلسطين نحاول أن نستورد الفتنة من بعض البلدان العربية في الوقت الذي تتضح فيه المخاطر المدمرة لهذه الفتنة"، مضيفاً " ربما لو استوردنا مثل هذه الأفكار في فترة سابقة لكان مقبولاً أو معقولاً، فأنا لا أعتقد أن هذا الطرح في هذه الفترة مناسب".
وتابع "لا أستطيع أن أتهم عباس بخلق الفتنة، ولكن في النهاية ليس من الحكمة إطلاقاً أن نتعاطى نحن الفلسطينيون مع هذا المرسوم(..) التفكيك الديني والطائفي بدأه الاستعمار البريطاني في القرن العشرين وكان يجب أن نقيده لا أن نحييه".
وعبر سمارة عن اعتقاده بأن المسيحيين لم يطلبوا مثل هذا المرسوم لأنهم لم يعترضوا ولم يغضبوا أصلاً من قبل على مدى تمثيلهم في القوائم الانتخابية، مشيراً إلى أنهم بالعكس يحتجون على ذلك وليسوا سعداء بهذا القرار، على حد تعبيره.
مخالفة للقانون والحقوق
وبالتركيز على الجانب الحقوقي والقانوني، فقد طالب مركز حماية لحقوق الإنسان، عباس باحترام القانون وإلغاء المادة الثانية من المرسوم، موضحاً بالقول "على الرغم من أن قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 وتعديلاته أعطى رئيس السلطة في إصدار مرسوم يخصص فيه عدد من المقاعد للمسيحيين في بعض دوائر الهيئات المحلية إلا أنه لم يعطه الصلاحية في اشتراط أن يكون رئيس تلك المجالس مسيحياً كما ورد في المرسوم".
ويرى المركز أن المادة (2) من المرسوم الذي أصدره عباس تخالف ما تنص عليه الفقرة (3) من المادة (56) من قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 وتعديلاته التي تؤكد على ما يلي " ينتخب المجلس رئيساً له بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وفي حالة عدم حصول أي من المرشحين على الأغلبية المطلقة تعاد الانتخابات بين الحائزين على أعلى الأصوات، ويكون المرشح الفائز بأعلى الأصوات في المرة الثانية رئيساً للمجلس، وفي حال تساوت الأصوات يتم اختيار رئيس المجلس بالقرعة".
ومن جهة أخرى، اعتبر المركز أن وجود شرط يقضي بأن يكون رئيس المجلس مسيحياً يتعارض مع حق المساواة بين الجميع، ويخالف حقاً دستوريا كفلته المادة 9 من القانون الأساسي الفلسطيني التي تؤكد على أن " الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".
وطالب المركز، عباس بإلغاء المادة الثانية من المرسوم لعدم دستوريتها وقانونيتها، مشددًا على ضرورة صون حق المساواة بين الجميع وعدم التمييز بين الطوائف المختلفة في تقلد المناصب للمجالس المحلية، وأن تكون طريقة تعيين رئيس المجلس المحلي هي الانتخاب كما نصت القوانين الفلسطينية.