قائمة الموقع

تركيا توازن بين مصالحها مع (إسرائيل) ودعمها لغزة

2016-06-30T09:04:23+03:00
رسمة الفنان مجد الهسي
الرسالة نت-شيماء مرزوق

"لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة" على هذه القاعدة السياسية بنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياسة بلاده الخارجية التي عليها قرر أن ينحاز للمصالح التركية ويعقد اتفاقا لإعادة تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) وإنهاء القطيعة التي استمرت بين الطرفين لمدة ست سنوات عقب حادثة مرمرة.

الاتفاق أثار موجة من الآراء التي انتقدته واعتبرت أنه يمثل عودة تركيا لمربع التطبيع وتخليها عن موقفها اتجاه حصار غزة، متجاهلين أنه اتفاق سياسي والمحور الاساس فيه المصالح التركية.

ومن المهم التوضيح أن تركيا دولة لها ثقل إقليمي ولها مصالحها الخاصة التي اقتضت التوقيع على الاتفاق, خاصة انها تعاني من عدة أزمات وإشكاليات داخلية وخارجية, وتحاول العودة إلى سياسية  "صفر مشكلات".

ولا يمكن تجاهل توقيت الاتفاق الذي يأتي في ظل الاستنزاف بالملف السوري وأزمة اللاجئين, إلى جانب الأزمة مع روسيا وتأثيراتها على الاقتصاد والعملة التركية, بالإضافة لخطر حزب العمال الكردستاني.

ولم تقع عبثا تفجيرات مطار أتاتورك _الأخطر في سلسلة التفجيرات التي طالت تركيا خلال الفترة السابقة_ بعد يوم من الاعلان عن الاتفاق, ما يرفع حساسية تركيا من ملف تنظيم الدولة والارهاب, ومسألة المساعي التركية للانضمام للاتحاد الاوروبي, والأهم هو نظرة بعض الدول العربية والاقليمية لتركيا على أنها دولة تحمل مشروع تيار الاخوان المسلمين الذي يحارب بشدة حالياً، ونجاح التجربة التركية يشكل خطرا وجوديا عليها.

ربما تعكس هذه التحديات سياسة تركيا القادمة والتي ستحاول من خلالها حل مشاكلها, لذا فان التوقعات أن الاتفاق القادم سيكون مع روسيا وربما الاتفاق مع (إسرائيل) هو تمهيد له.

في المقابل فإن جل الانتقادات التي وجهت لتركيا تحمل في مضمونها رفض سياسة التطبيع والتخلي عن القضية الفلسطينية وخاصة حصار غزة, وهنا يجب التنويه إلى أن تركيا احترمت شروطها وكان بإمكانها عقد الاتفاق قبل سنوات لولا اصرارها على شرط رفع الحصار.

عدم رفع الحصار كاملا كان متوقعا لكن لا يمكن تجاهل أن تركيا حققت انجازا من خلال البنود التي وضعتها في الاتفاق لتخفيف الحصار عن غزة وذلك دون أي ثمن سياسي من غزة ودون أن تطلب مقابلا، بخلاف دول اخرى قايضت غزة والمقاومة كثيرا مقابل تخفيف الحصار ومنها دول عربية صاحبة باع طويل في ذلك.

وفي هذا الجانب، من المفيد التوضيح أن تركيا كان بإمكانها عقد الاتفاق قبل سنة او اكثر لولا اصرارها على مساعدة غزة, وتخفيف الحصار, ولذا فإن موقف حماس من الاتفاق كان واضحا فهي لم تبارك أو تعارض كونه شأن تركي, لكنها اكتفت بشكر تركيا على موقفها الداعم لغزة واصرارها على التخفيف عن سكان القطاع, مع ادراكها أن تركيا حاولت بصدق رفع الحصار لكنها قدمت أقصى استطاعتها في هذا الجانب, علماً ان سياسة حماس كانت واضحة دائما بعدم التدخل في شئون الدول الأخرى وشكر كل من يعمل لمساعدة الفلسطينيين ويدعم القضية الفلسطينية دون أن يطلب أثمانا سياسية.

وتدرك حماس جيداً أن عودة العلاقات التركية الاسرائيلية هي منحى آخر يختلف عن علاقات تركيا بحماس كونها حليف وداعم للمقاومة في غزة, وقد برهنت على ذلك من خلال دعوتها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس عدة مرات لزيارة تركيا واطلاعه على الجانب الذي له علاقة بالحصار في الاتفاق، ما يعكس حجم الاحترام والاهتمام بالجانب الفلسطيني، وهذا لا يعني أن حماس وافقت أو باركت الاتفاق.

بالتأكيد فإن حماس ليست معنية بعودة العلاقات التركية الاسرائيلية لكنها أيضاً حريصة على استمرار العلاقات التي تجمعها بتركيا والتي أظهرت الأخيرة حرصها الكبير عليها من خلال رفضها اغلاق مكاتب الحركة أو طرد قياداتها المقيمين لديها, لذا فحماس حريصة على استمرار وجود تركيا كحليف لها في ظل قلة الدول التي تدعمها في المنطقة.

وكان لافتاً تعليق حركة فتح على الاتفاق "خذلان لغزة" متجاهلة ان رئيسها شريك اساسي في الحصار على غزة، وساهم في منع كل محاولات تخفيفه أو الحد من أزماته.

وللمفارقة العجيبة فإن معظم من ينتقد الاتفاق كان لديه مبرر واحد وهو انه تطبيع للعلاقات مع (إسرائيل), علماً أنها ذاتها الأطراف التي تمارس التطبيع والتنسيق علانية وتتفاخر به وعلى رأسها السلطة الفلسطينية.

وقد يرى البعض انه بالنسبة للفلسطينيين فالتطبيع واحد في النهاية وهو مضر بالمصالح الفلسطينية, لكن فيما يتعلق بتركيا يمكن القول أن الفارق هنا هو زاوية التطبيع, فعدة دول عربية تطبع مع الاحتلال وتمارس ذلك من مربع العداوة لنهج المقاومة الوطنية أما تركيا فتمارس ذلك من مربع الصداقة والتفهم لذلك فإن وطأة التطبيع هنا أقل.

كما أن تركيا لا تسعى لفرض التطبيع على الفلسطينيين أو جرهم لهذا المربع بل تتقبل سياستهم والنهج الذي يتبعونه وتحديداً فصائل المقاومة.

الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجنى قال " يبدو أن إزاحة داوود أوغلو تخفي تغيرات جوهرية يقودها السيد أردوغان لترميم ما فقدته تركيا سياسياً واستراتيجياً واقتصادياً وأمنياً, فهي تعود تدريجياً لسياسة ما قبل الربيع العربي "سياسة تصفير المشاكل"".

وأكد الدجني عبر حسابة على الفيس بوك أن الاتفاق التركي الاسرائيلي صنع جسرا بريا يربط تركيا بقطاع غزة، بعد أن أغلق الأشقاء شرايين الحياة بمعناها الشامل وليس المتعارف عليه (الأنفاق), كما انه سيخدم المقاومة بطريقة غير مباشرة عبر لعب تركيا دور الوسيط بينها وبين الاحتلال في ملفات متعددة, وهذا سيضعف الدور الاقليمي العربي، الذي يتخلى تدريجياً عن هذا الدور.

اخبار ذات صلة