ما خيارات دول الإقليم لخلافة أبو مازن؟

ما خيارات دول الإقليم لخلافة أبو مازن؟
ما خيارات دول الإقليم لخلافة أبو مازن؟

الرسالة نت- شيماء مرزوق

كشيفرة معقدة الرموز، تبدو حسابات خلافة الرئيس محمود عباس، في وضع فلسطيني وعربي ودولي غاية في التعقيد، ما يعني أن الميزان الذي يقف عليه المرشحون من ذهب، وفرص الخطأ فيه لن تقتصر تبعاته على الساحة الفلسطينية.

ملف الخلافة الذي يشوبه كثير من الغموض تحركت دول الاقليم مبكراً لترتيبه؛ من أجل أن تضمن قدر المستطاع انتقالا سلسا ومنظما لسلطات عباس، مع ضرورة إدراك حقيقة لا جدال فيها وهي أن مسألة الرئيس القادم ليست قرارا فلسطينيا، انما تحسمه الارادة الاقليمية مع التوافق الدولي والإسرائيلي.

وفي ظل الوضع الاقليمي الملتهب حالياً، ومحاولات تهدئة بعض الجبهات فيه، لابد أن يجري ترتيب البيت الفلسطيني، لكن الاصطفاف الاقليمي طال الشأن الفلسطيني، ويمكن هنا تصنيف الدول الاقليمية الى صنفين، الدول المركزية والفاعلة بقوة في الشأن الفلسطيني وهي "مصر-الأردن-السعودية-الامارات"، وهذا ما أكدته صحف عبرية وعربية كشفت عن مشاورات اقليمية واسعة تشارك فيها دول عربية نافذة؛ لبحث مرحلة ما بعد عباس بالتوافق مع (إسرائيل).

وتجمع هذه الدول رؤى مشتركة وتفاهمات في التعامل مع عدة ملفات ومن ضمنها الفلسطيني لذا فان امكانية التوافق فيما بينها على خليفة عباس كبيرة، كما تربطها بـ(إسرائيل) علاقات قوية ما يعني انها تجري ترتيبات معها لأن أي مرشح تطرحه الدول العربية لا بد ان يحظى بموافقة (إسرائيل).

في المقابل هناك أطراف ثانوية وتأثيرها محدود في ملف الخلافة "تركيا-قطر-إيران" وتأثيرها هنا نابع من علاقاتها مع أطراف في الساحة الفلسطينية مثل حركة حماس وبعض التيارات من فتح.

ما هو المطلوب إقليميا من الرئيس القادم؟ ربما تحمل الاجابة على هذا السؤال بعض المؤشرات على طريقة الاختيار وحظوظ المرشحين، خاصة ان الرئيس القادم له مهمة محددة وتتلخص في تهدئة الساحة الفلسطينية قدر المستطاع وابقاء الوضع بعيدا عن الانفجار او الاشتباك مع (إسرائيل) خاصة في الضفة الغربية، مع التنويه إلى ان معظم اللاعبين الاساسيين مشكلتهم الاساسية لم تعد مع (إسرائيل) ويظهر ذلك من الخطاب العربي الرسمي اتجاه (إسرائيل) الذي لم يعد يرى فيها عدو.

والمهمة الثانية هي عدم ترك اي مساحة للإسلاميين وتحديداً حركة حماس في التقدم على الساحة الفلسطينية.

بعض الدول العربية مثل مصر والامارات حسمت خياراتها تجاه القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان والذي ترى فيه رجلها القوي على الساحة الفلسطينية، لذا تدعمه الامارات بقوة مالياً لتمكينه من التدخل والتمهيد لنفسه فلسطينياً، بينما تمنحه مصر دعماً سياسياً، وظهر ذلك جلياً في محاولات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتكررة لإجراء مصالحة بين دحلان وعباس، لإعادته الى صدارة المشهد الفلسطيني.

فيما يتعلق بالأردن فهي غالباً ما تتبع سياسة الغموض وتمتنع عن الكشف عن مرشحها لخلافة عباس، وذلك لأنها تضع أكثر من مرشح ذي خلفية أمنية، لكنها ستخضع في النهاية للتوافق الاقليمي، ولذا فان علاقاتها غير الجيدة بدحلان لن تدفعها لرفضه في حال تمت تزكيته من السعودية.

وتبدو فرص التأثير المصري الاماراتي على السعودية في دعم دحلان كبيرة خاصة أن الاخير يحمل عداء شديدا للحركات الاسلامية وكان رأس حربة السلطة وحركة فتح ضد حماس في كل الفترات التي شهدت مواجهة بين الحركتين سواء عام 1996 و2007.

ومن المعروف تاريخياً ان المنظومة السياسية الفلسطينية تضم شخصيات لها ولاءات عربية، وذلك كون الساحة الفلسطينية ملعبا مفتوحا أمام الجميع وكل قيادي يحاول ان يحظى بسند وداعم يقويه داخلياً.

دعم الاقليم لطرف على حساب آخر لا يمكن ان يتجاهل المنافسة الشرسة بين قيادات فتح والسلطة على خلافة عباس، خاصة أن قائمة المرشحين تطول ومن أبرزهم ماجد فرج الذي بات رجل الامن القوي، وصائب عريقات الذي تقلد منصب أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، ومروان البرغوثي الذي يحظى بشعبية واجماع فتحاوي".

وكل منافس يجري محاولات لتسويق نفسه عربياً واقليمياً ليزيد حظوظه من الكعكة التي أصبح هناك رؤية جدية لتقسيمها، فمن ضمن التفاهمات الاقليمية تقسيم تركة عباس إلى ثلاث مناصب " السلطة-المنظمة-فتح"، وربما يخفف ذلك من حدة المنافسة بين المرشحين على اعتبار ان الفرص زادت.

ورغم ذلك فإن كل منصب له شروط ومعايير خاصة، فرئاسة السلطة التي تلعب دورا امنيا بامتياز تحتاج الى مرشح أمني قوي ولذا يرى البعض حظوظ فرج قوية، بينما يجب ان يحظى مرشح المنظمة بخلفية سياسية قوية وايمان بنهج التفاوض ما يعزز خيار عريقات، في حين يبدو منصب رئاسة حركة فتح بحاجة الى شخصية توافقية تقبل بها كل تيارات الحركة المتشرذمة وهو أمر مستحيل في الوقت الحالي الا إذا كان الحديث يدور عن البرغوثي.

وفيما يتعلق بالأطراف الاقليمية الاقل تأثيراً "قطر-تركيا-إيران" فان تأثيرها لا يمكن ان يكون مباشرا أو حاسما في ملف الخلافة، ويمكن القول إن طريقة خروج أبو مازن تحدد درجة تأثيرها، ففي حال كان الخروج سلسا ومنظما فإن دورها سيبقى هامشيا، أما سيناريو الفوضى فهو سيزيد من درجة تأثير هذه الأطراف.

وبديهياً فان الترتيبات التي تجري لا يمكن ان تجري دون توافق مع الادارة الامريكية و(إسرائيل)، ومن المتوقع ألا يحسم الاقليم خياراته قبل انتهاء الانتخابات الامريكية التي ستجري نهاية العام، وسيكون للرئيس الاميركي القادم دور في ترتيب المشهد الفلسطيني من خلال رؤيته وطبيعة تعامله مع الملف.

وتسير ترتيبات الخلافة في اتجاهين يخضع كلاهما الى طريقة خروج عباس من السلطة، فالسيناريو الاول هو الخروج المنظم بمعنى ان نشهد مراسم تسليم واستلام وهنا ستكون الامور مضبوطة ومعدة ضمن الرؤية الاقليمية، التي قد تبدأ بمرحلة انتقالية على غرار ما جرى بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات حيث تولى روحي فتوح رئيس المجلس التشريعي في حينه الرئاسة الى حين اجراء الانتخابات وذلك وفقاً للقانون.

وتبدو فرصة دحلان في الوضع المنظم ضعيفة كونه لا يملك اي صفة رسمية ويعتبر خارج المشهد الفلسطيني حالياً والتمهيد له يحتاج فترة انتقالية يجب أن يقودها رئيس ضعيف.

ومن المفارقة ان اي رئيس قادم حتى لو كان دحلان فانه يجب ان يحصل على قبول من طرفين متناقضين، الاول هو الطرف الاسرائيلي ما سيسمح له بالعمل والحركة، والثاني هو حركة حماس لتمنحه الشرعية الفلسطينية كونها الفصيل الاقوى والاكثر تأثيراً.

وفي حال الغياب المفاجئ سواء بالوفاة أو الانقلاب عليه، فان عدم ترتيب المشهد سيخلق حالة من الفوضى، وهذا السيناريو يفرض على الاقليم سرعة التدخل ومحاولة عقد صفقات مع المرشحين لترتيب المشهد، وقد يكون الخيار هنا هو اطالة امد المرحلة الانتقالية لحين الحصول على شرعية سواء دستورية او توافقية.