لم ينل أيا من الرؤساء الثلاثة الذين تناوبوا على رئاسة جهاز المخابرات العامة أكبر الأجهزة الأمنية الفلسطينية المكانة المقربة من الرئاسة كما نالها ماجد فرج، رجل الأمن الأول في الضفة الغربية، وزاد من هذا القرب ما تسرب مؤخرا عن عزم رئيس السلطة محمود عباس تعيينه مستشارا للأمن القومي وذلك بالتزامن مع الترتيبات الامنية التي أفادت مصادر فلسطينية مطلعة أن السلطة الفلسطينية بصدد إجرائها وتحديدا زيادة قواتها الأمنية العاملة في مدن الضفة.
هذه الترتيبات تأتي في أعقاب سلسلة اللقاءات والاجتماعات التي عقدها مسؤولون في السلطة على رأسهم "ماجد فرج-حسين الشيخ-صائب عريقات" مع مسؤولين في الاحتلال الاسرائيلي والتي توصلت لتفاهم اسرائيلي -فلسطيني بشأن تقليص عمل جيش الاحتلال الاسرائيلي وعدم اقتحامه المدن الرئيسية في الضفة.
المنصب الذي ناله فرج له دلالات قوية خاصة انه يأتي في توقيت صعب وحرج تمر به الاراضي الفلسطينية، أبرزها أحداث انتفاضة القدس والتي يسعى الاحتلال للقضاء عليها بالشراكة مع السلطة الفلسطينية عبر بوابة التنسيق الامني.
على المستوى الأمني يتضح أن تعزيز مكانة فرج تعطي اشارة قوية انه بات الرقم الصعب في الأجهزة الأمنية، والمقاول الأمني الذي استطاع ان يفوز بالمناقصة بعد أن تفوق على منافسيه من أمراء الأجهزة الأمنية في الضفة من أمثال رئيس الامن الوقائي زياد هب الريح، وذلك بعد أن قدم أوراق اعتماده من خلال تعميق التنسيق الامني على الأرض والدعاية القوية التي صدرها بتصريحاته حول احباط أكثر من 200 عملية خلال أشهر الانتفاضة.
ويخلف فرج في هذا المنصب الذي بقي شاغرا لسنوات أحد أبرز قياديي حركة فتح والمثيرين للجدل فيها محمد دحلان والذي تقلد المنصب في العام 2007، وكان المقاول الامني في تلك الفترة، وهذا ما أكده نبيل عمرو القيادي الفتحاوي الذي قال في ذلك الوقت " فتح قالت لمحمد دحلان اذهب أنت مقاول غزة.. وهذه هي النتائج".
الفروق الكبيرة بين الفترة التي تولى فيها دحلان المنصب والحالية لا تنفي الحساسية الكبيرة لكلا الحقبتين، ففي الوقت الذي تسلم فيه دحلان كان الثقل الامني للأجهزة يتمركز في قطاع غزة والذي كان يعج بالميليشيات المسلحة المنبثقة عن الاجهزة الأمنية، وأمرائها الاقوياء في ذلك الوقت، وكانت مهمة دحلان الأولى القضاء على حركة حماس التي فازت بانتخابات المجلس التشريعي.
الواقع الأمني في الضفة اليوم مختلف تماما فقد خضعت الأجهزة الأمنية للتدجين على يد الجنرال الاميركي كيث دايتون الذي شكّل في عام 2007 اللجنة الأمنية العليا المشتركة بين "أمريكا واسرائيل وفلسطين"، ونجحت في تغيير العقيدة الامنية للأجهزة الفلسطينية الى حد كبير وبات دور هذه الأجهزة يتمحور حول حماية الاحتلال وضرب قدرات المقاومة.
ويخضع فرج من خلال هذا المنصب إلى اختبارات حقيقية وتحديات جدية سيحاول من خلالها اظهار قوته كرجل الامن الاول، وسيضع نصب عينيه مصير دحلان الذي فشل في مهمته وانتهى به المطاف مطرودا من فتح.
وأولى هذه الاختبارات وقف الانتفاضة ومنع فصائل المقاومة وخاصة حركة حماس من تطوير قدراتها العسكرية هناك، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني مع الاحتلال.
لكن المهمة الأبرز لفرج هي حماية السلطة من الانهيار في حال غياب رئيسها محمود عباس والمحافظة على المهام الأمنية المنوطة بها والأهم هو ضبط الأجهزة الامنية ومنعها من الانفلات والدخول في صراعات فتح وذلك بعد أن أصبح المرجعية الامنية وصاحب الشرعية في هذا المجال، حيث تنظر اسرائيل للسلطة كمؤسسة أمنية بحتة ووجودها مرتبط بما تقدمه من خدمات على هذا المستوى.
ومن المتوقع أن يكثف فرج من الخدمات الامنية للسلطة التي ستخضع هي الاخرى لاختبار قوى عقب التفاهمات الاخيرة والتي تقضي بإعادة انتشار جيش الاحتلال في مدن الضفة، ما يعكس ان الاولى ستزيد من قبضتها الامنية على الانتفاضة وفصائل المقاومة، كما ستعزز من التنسيق الأمني، وذلك عملا بما قاله عباس في لقاء مع القناة الاسرائيلية الثانية انه في حال انسحب الاحتلال من مدن الضفة فان أجهزة السلطة ستقوم بدور الجيش بالكامل.
وعلى المستوى السياسي فإن تولي فرج للمنصب ليس بعيدا عن الترتيبات الجارية في المقاطعة لمرحلة ما بعد عباس، وتبدو هنا حظوظ الرجل كبيرة خاصة بعد تقليده هذا المنصب الحساس والذي بناء على تجارب سابقة لا يمكن أن يصل لهذه المرتبة دون موافقة وترتيب الأمر مع الأطراف الفاعلة في الشأن الفلسطيني خاصة مصر والأردن والأهم أمريكيا واسرائيل والتي غالبا أعطت مباركتها للمنصب ان لم يكن توصية بمنحه لفرج رجل المخابرات والكواليس القوي.
تركة عباس الثقيلة والمقسمة على ثلاث مؤسسات هامة "منظمة التحرير-السلطة الفلسطينية- حركة فتح" من المستبعد أن يرثها شخص واحد في ظل متغيرات الساحة الفلسطينية المعقدة وصراعات حركة فتح المستعرة، ويدور الحديث حاليا عن ضرورة تقسيم التركة على ثلاثة مرشحين، يطرح اسم فرج بقوة ضمنهم وغالبا لرئاسة السلطة على اعتبار ان دورها امني بحت.
ويأتي تعزيز موقع فرج ضمن الترتيبات الفاقعة التي ينفذها عباس قبل انسحابه من المشهد السياسي والتي تضمنت ازاحة واقصاء كل المتمردين والمخالفين له وكان أخرهم أكرم رجوب محافظ نابلس ومن قبله العشرات من قيادات فتح والمنظمة، وتقريب الموالين له ووضعهم في المناصب الهامة لتمهيد الطريق لهم نحو مناصبه مثل صائب عريقات الذي وضعه أمين سر منظمة التحرير.