يثور هذه الأيام جدل كبير داخل (إسرائيل) بين المستويات السياسية والأمنية وغير الرسمية، حول القيم الأخلاقية للجيش، التي عرّاها فيديو مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، الذي أظهر جنودا يعدمون ميدانيا شابين فلسطينيين في حي تل الرميدة وسط الخليل؛ بزعم تنفيذهما عملية طعن.
وأثبت شريط الفيديو، الذي سجله أحد الناشطين بالمنظمة، أن أحد جنود الاحتلال أطلق النار على رأس أحد الشابين بعد إصابته، والشابان هما عبد الفتاح يسري الشريف (21 عاما) ورمزي عزيز القصراوي (21 عاما).
ويظهر شريط الفيديو سيارات إسعاف إسرائيلية تصل إلى المكان وتبدأ بنقل الجندي المصاب بجروح طفيفة، في حين يوجد شخصان مصابان ممددان على الأرض. وكتبت بتسيلم: "في هذه الأثناء يطلب أحد الجنود من السيارة الرجوع قليلاً لتغطية إطلاق النار على رأس الشاب الفلسطيني الملقى أرضاً". ويسمع صوت الرصاص ويرتفع رأس الشاب قليلاً ويسقط أرضاً مع إطلاق النار.
هذا المشهد وثّقه كاتب إسرائيلي بقوله: "الجندي الذي هو ممرض عسكري جاء إلى المكان مع عدد من الجنود في أعقاب الحادث، عبأ سلاحه وأطلق رصاصة واحدة على رأس "المخرب" من مسافة قصيرة"، وفق تعبيره.
وأدانت "بتسيلم" إطلاق النار على الشريف وهو حي، مشددة على أن تصرف الجندي يتناقض مع القانون الذي يحظر قتل شخص لا يشكل خطراً على الآخرين.
وأثار الفيديو عاصفة من الانتقادات حول الجيش، الذي سارعت قياداته إلى التنصل من هذا العمل، وحاولوا الترويج للدعاية القديمة التي تزعم أنه "جيش أخلاقي".
وقد سارع الجيش إلى إعلان اعتقال الجندي الذي أطلق النار، وقالت متحدثة باسمه: إن "الجيش يرى أن في هذا الحادث انتهاكاً خطيرا لقيم وسلوك ومعايير العمليات العسكرية لدينا، وقد بدأت الشرطة العسكرية التحقيق واعتقل الجندي المتورط بالحادث"، على حد زعمها.
وقال وزير الجيش موشيه يعالون، إن "الحادث خطير جدا ويشكل مخالفة واضحة لقيم الجيش وأخلاقيات القتال.. علينا ألا نسمح بهذا النوع من فقدان الأعصاب والسيطرة، حتى في حال الغضب الشديد. سيتم التعامل مع هذا الحادث بأقصى درجات الشدة".
بدوره، حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو التنصل من الجريمة، وقال إن "هذا العمل لا يمثل قيم الجيش الإسرائيلي، الجيش يتوقع من جنوده التصرف بحكمة وهدوء في جميع المواقف"، على حد زعمه.
مقربون من الجندي ادعوا أنه خاف من أن "المخرب" يخفي حزاما ناسفا يريد تشغيله، لذلك أطلق النار عليه من أجل إزالة الخطر، لكن الكاتب بصحيفة يديعوت (يوسي يهوشع) ردّ متسائلاً: إذا كان هكذا فكر، فلماذا لم يطلق النار فورا، بل استغرقه ست دقائق لعمل ذلك؟ وماذا عن باقي المقاتلين، أولم يلاحظوا الحزام؟".
مادة متفجرة
هآرتس اعتبرت من جانبها أن "شريط الفيديو هو مادة متفجرة حقيقية، وثمة تخوف من أن يشعل الميدان الذي هدأ قليلا بالذات في الآونة الاخيرة"، مضيفة: "لقد بدت حادثة الخليل كحادثة هي الاخطر ليس فقط في موجة "الإرهاب" الحالية، حين يكون لا يزال الجيش يصر على عدم تسميتها انتفاضة، بل في السنوات الاخيرة على الاطلاق".
وكتب عاموس هرئيل بهآرتس أنه "في الوقت الحالي يتم تعظيم التهديد الذي شكله المصاب، عندما نشر الجيش أول أمس فيلم يُظهر جنودا من نفس الكتيبة وهم يُحيدون فتاة فلسطينية هي ابنة عم "المخرب" القتيل وهو تلوح بالسكين، دون إطلاق رصاصة واحدة"، وفق تعبيره.
ويعتقد هرئيل أن وراء هذه الأفعال "أهدافا مشتركة واضحة: وضع معيار جديد يقول إن الصراع ضد الفلسطينيين يعني تصرف الجنود بشكل غير عقلاني".
ويتصل بذلك، أن أوامر إطلاق النار الإسرائيلية تغيرت مع تطور انتفاضة القدس، لدرجة أنه أصبح مسموحا للجنود القتل حتى لمجرد الاشتباه، وهذا ما جرى توثيقه في أكثر من حالة وموقف.
ويضيف هرئيل: "قبل نحو شهر، عندما ذكر رئيس الاركان حادثة المقص وحذر من إطلاق النار غير الضروري، تعرض لانتقاد شديد من الوزراء واعضاء الكنيست والحاخامات. الآن من الواضح لماذا صرخ آيزنكوت. هذه الحادثة لا يجب أن تفاجئ أحد. سياسيون وحاخامات يطلبون من الجنود والشرطة مرة تلو الاخرى قتل المخربين دون التفكير مرتين".
وقالت منظمة العفو الدولية إن قتل جريح ولو كان منفذ هجوم "لا مبرر له على الإطلاق وينبغي ملاحقته كجريمة حرب محتملة".
وأكدت أن إسرائيل لديها "تاريخ حافل" بالتصفيات خارج إطار القانون، متحدثة عن "ثقافة إفلات من المحاسبة" تؤدي إلى "تزايد وتيرة" هذه الأعمال.