تُسقط انتفاضة القدس بدخولها شهرها السادس استراتيجية اليمين الصهيوني القاضية بإدارة الصراع دون حله، كما تزيد ضغوط أحزاب المعارضة الإسرائيلية على حكومة بنيامين نتنياهو التي تبدو عاجزة أمام اندفاع الشباب الفلسطيني لتنفيذ عمليات طعن ودعس وإطلاق نار اتجاه جنود الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ورغم إجراءات سلطات الاحتلال للقضاء على الانتفاضة المشتعلة منذ مطلع أكتوبر الماضي، إذ يتكامل الخطاب السياسي مع الخطاب الديني الإسرائيلي في الدعوة إلى الانقضاض على الفلسطينيين وقتلهم، إلا أن كل المؤشرات تؤكد مضي الانتفاضة في طريقها دون توقف، مخيبة بذلك التوقعات السائدة في المحافل الإسرائيلية بأنها ستخبو سريعاً نظراً للبيئتين الفلسطينية والإقليمية السائدتين.
ويؤكد محللون أن التصاعد النسبي للانتفاضة منذ انطلاقها، وطغيان السمة الفردية لمفاعيلها أفضى إلى إرباك الوسط السياسي الإسرائيلي، ووسع هامش التباينات الحادة بين مكونات ائتلاف الحكومة اليمينية، وكذلك أحزاب المعارضة التي استأنف أقطابها اقتحام المسجد الأقصى خلال الأسبوع الحالي لأكثر من مرة، وذلك ضمن الضغط على نتنياهو.
يذكر أن الحاخام اليميني المتطرف "يهودا غليك" اقتحم منتصف الأسبوع الحالي، والعديد من المستوطنين باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة وسط حراسة مشددة من شرطة الاحتلال الخاصة.
على الصعيد السياسي
ويرى المختص بالشأن الإسرائيلي محمد عمايرة أن تأثير انتفاضة القدس على الجانب الإسرائيلي في المجال السياسي بدى واضحًا من خلال الواقع الذي تشهده المنطقة، موضحاً أن حكومة الاحتلال تسعى لوقف برنامج تقسيم المسجد الأقصى، ومنع الوزراء وأعضاء الكنيست من اقتحام المسجد؛ لتنفيس الاحتقان.
وتدفع أحزاب اليمين المتطرف داخل حكومة الاحتلال، وعلى رأسها "البيت اليهودي" نحو الاستمرار في الاستيطان وبرنامج تقسيم الأقصى رغم أجواء الانتفاضة الضاغطة، ويدعو بعضها لاجتياح الضفة الغربية على غرار عملية السور الواقي التي نفذها رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون خلال انتفاضة الأقصى، حيث يعدُّ الوزير بنيت زعيم حزب البيت اليهودي من أشد الأطراف ضغطاً على نتنياهو بهذا الشأن.
ويقول عمايرة في حديث للرسالة: "انتفاضة القدس أسقطت جدوى استراتيجية اليمين الصهيوني القاضية بإدارة الصراع دون حله، وزادت الضغوط على نتنياهو بضرورة تشغيل المسار السياسي من جهات مختلفة بما فيها أجهزة الأمن".
وأضاف:" استمرار الانتفاضة أربك حسابات حكومة نتنياهو اليمينية، وأوجدت تباينات شديدة داخلها فيما يخص أسلوب التعامل مع الطرف الفلسطيني"، موضحًا أنها زادت من حدة التباين بين المستوى السياسي والأمني بشأن التعاطي مع الجانب الفلسطيني، وتعاظمت حدة الاتهامات بالعجز بين الطرفين فيما يتعلق بمعالجة الانتفاضة والملف الفلسطيني برمته.
وأشار عمايرة إلى أن المستوى السياسي مازال يدرس عدة خيارات لمعالجة انتفاضة القدس، من بينها تسهيل تنفيذ مشاريع بنية تحتية في مناطق السلطة، متعطلة منذ زمن بعيد.
تسوية سياسية
أما المحلل والكاتب في الشؤون الإسرائيلية خالد مضية، فقد أكد أن أحزاب المعارضة (الإسرائيلية) انتقدت أداء نتنياهو في مواجهة الانتفاضة، وطالبته بالتوجه لتسوية سياسية بمشاركة إقليمية - الحل الإقليمي- بغية الانفصال عن الفلسطينيين.
وكان حزب المعارضة الرئيسي "يوجد مستقبل" بزعامة يائير لبيد اتهم نتنياهو بالعجز في مواجهة الانتفاضة، داعياً لتشغيل مسار التفاوض، وكذلك حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان اتهم نتنياهو بالضعف، مطالباً إياه بالعودة إلى سياسة الاغتيالات المركزة.
على الصعيد الأمني
وتشير التقديرات الأمنية للمستوى السياسي الإسرائيلي بشأن الانتفاضة الحالية إلى ارتفاع في وتيرة حالات إطلاق النار، وانخفاض في عمليات المواجهة الشعبية التي بدت تنحصر بأعداد أقل ومدة أقصر، وكذلك انخفاض عدد العمليات الفردية (طعن ودعس)، وفق المحللين.
أما على صعيد السلطة، فيقول العمايرة: "إن التقديرات رصدت انخفاضًا في درجة التعبئة الإعلامية في الإعلام الرسمي للسلطة وخصوصًا فيما يخص المسجد الأقصى، وزيادة التنسيق الأمني في المستويات العليا"، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تواصل منع المواجهات وزيادة الاعتقالات للناشطين وخصوصًا من عناصر حماس، وتابع أنه رغم تحسن أداء السلطة مع الاحتلال فإن السيطرة على العمليات الفردية غير ممكن؛ كونها تواجه الخلايا وشبكات المقاومة وإحباط الحراك الشعبي فقط".
وعن تأثير الانتفاضة على أمن الاحتلال، أوضح أن الاستنفار الأمني أرهق قوى أمن الاحتلال وجيشه وضغط على ميزانيتهما، مبينا أن 77 % من الإسرائيليين أعربوا عن فقدانهم لأمنهم الشخصي، بمعنى أن المستوى الأمن الشخصي قد تدنى في إسرائيل، الأمر الذي يُتعب حكومة الاحتلال في توفير الأمن.