مستسلم الأطراف وصل مسقط رأسه بعد غياب قسري لمدة ثمانية أشهر وذات الكابوس يلاحقه "ساعدوني أنا بنحرق"!
مغمض العينين هو حال الطفل أحمد دوابشة حينما حطت رحلته الى قرية دوما جنوب نابلس كما غادرها يوم المحرقة يوليو الماضي والتي فقد فيها والديه وشقيقه الرضيع علي حرقًا إثرها فيما التصق باسمه توصيف "الناجي الوحيد".
بعد الغياب فرحة
زار الفرح "دوما" لأول مرة منذ حرق المستوطنين لمنزل عائلة دوابشة حينما دخلها أحمد نائمًا بعد عودته من العاصمة الاسبانية مدريد والتي زار خلالها ناديه المفضل ريال مدريد، والتقى نجومه "كريستيانو رونالدو" و"مارسيليو" و"غاريث بل".
"بفضل من رب العالمين مرت السيارة من أمام بيتهم المحروق وما لمحه أحمد لأنه دخل البلد نايم" حالة الخوف التي كانت تعتري جده الحاج حسين دوابشة _ والد ريهام _من فزعه لحظة الوصول الى دوما مرت بسلام بعد أن تملك الصغير النوم الى أن وصل الى بيت جده الثاني محمد -والد سعد- دون أن يسترجع ألسنة اللهب التي أكلت شقيقه الرضيع علي.
ويتابع: "أول ما فتح عيونه لقى أطفال القرية وولاد عمه حوليه فرحانين برجعته".
على جسده تجاعيد ماثلة للعالم على جريمة المحتل ولا شيء في منزل والده سوى الرماد وصورة تجمعه وأسرته التي لم يبق منها سواه ونار في القلب كتلك التي أشعلت حقدًا في دوما!
خلال استقباله في القرية بدا الصغير عميق التفكير في أغلب الصور التي التقطت له لاسيما تلك التي جسدت احتضانه لأحد أبناء عمه وهو يتفقده بعد الغياب وكأنه يخشى عليه من تكرار المأساة معه أو مع أطفال قريته.
ورغم محاولة جده وأقاربه أن يبدوا فرحتهم بعودته وتجنب الحديث عن الحادثة الا أن تفاصيلها كانت حاضرة في ذاكرة أحمد حيث استغرب من صورته ووالديه وشقيقه معلقة في بيت جده فتساءل:" ليش الصورة هان يا سيدو.. ليش مش بدارنا؟" مجددًا حاول الجد اشغال الصغير بالحديث عن مغامراته في مدريد وركوبه للطائرة، وكأنه لم يسمع السؤال الذي تكرر ليتجاوز عدد أصابع اليد.
تلك الصورة الجماعية مع عائلته اعتاد الصغير على رؤيتها في غرفة المعيشة في بيتهم وكانت كما هو الناجي الوحيد من أثاث البيت.
ابتسم البطل
نكز جده مرًارًا ليترجم له كلمات اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو حينما استقبله فابتسم له وقال: "بيقول مرحبًا يا بطل يعني انت" ارتفعت معنويات الصغير فرحًا بكلمات الأرجنتيني حيث بدا أحمد مرحًا بعض الشيء لاسيما عندما وصل لاعبه المفضل فعلا صوته وردد "هادا كريستيانو".
وصل عدد من لاعبي الفريق وفي كل مرة يدخل أحدهم ليرحب بـ "دوابشة" ويلتقط معه صورة تذكارية يشد الصغير طرف لباس جده ويقول: "مش هوا يا سيدو".
رحلة مدريد تركت في قلب الصغير أثرًا طيبًا على عكس الندوب التي تركتها المحرقة لاسيما وأنها تذكره بحقد العدو الإسرائيلي الذي سلبه أبسط حقوقه في الحياة والعيش ضمن عائلته بسلام.
قصة حبه لرونالدو بدت ارهاصاتها حينما استيقظ أحمد أثناء علاجه خلال الأشهر الأولى في المستشفى في الداخل المحتل ليجد أحد الزوار قد أهداه قميصا رياضيا للاعب فتفاجأ، وعند سؤال جده عن السبب أجاب دون تردد:" أبوي كان يشجعو أبوي كان يحبو ".
هذا الصغير الذي يحاول التشبث بأي ذكرى لعائلته أو حتى اهتماماتهم كفريق كرة قدم كان يفرح والده حينما يسجل هدفًا فتتعالى في البيت الضحكات التي تدفع أحمد لمشاركته الحضور والتشجيع.
لأول مرة غضب أحمد من جده حسين الذي رافقه في رحلة سفره الى مدريد حينما بدأ بتجهيز حقائب السفر للعودة لاستكمال العلاج في الأراضي المحتلة فصرخ: "ما بدي ابر ما بدي مستشفى لو امي وابوي هان كان ما رجعوني على المستشفى".
مغمض العينين وصل الى المستشفى لاستكمال مرحلة العلاج الثانية الى أن فتح عينيه على صوت "عبري" أرعبه لتشابهه مع أصوات المستوطنين الذين اقتحموا بيتهم وحرقوه بكى أحمد
لأن هذه المرحلة ستستغرق من الوقت 4 شهور سيجري خلالها عمليات جراحية ليده اليمنى وقدمه اليسرى، قبل الدخول في مرحلة العلاج الاطول وهي مرحلة "التجميل" التي قد تستغرق ثماني سنوات علها تنسيه ذاك الجرح الغائر.