ليست المرة الأولى التي تُلوح فيها الهيئة القيادية العليا لحركة فتح في قطاع غزة بالاستقالة، فقد لوحت سابقا بها عدة مرات، غير أنه في كل مرة يتم العدول عن الاستقالة دون تحقيق مبرراتها، ولكن ذلك لم يُغير من نظرة القاعدة الفتحاوية بأن هيئتهم ضعيفة ولا تلبي المطالب الفئوية للتنظيم.
وتأتي الاستقالة الفتحاوية الجديدة، على ضوء اقتحام الفتحاويين المقطوعة رواتبهم لمكتب زكريا الأغا المفوض العام للحركة في القطاع السبت الماضي حيث تخلل ذلك تحطيم الأثاث والاعتداء على الموظفين في المكتب.
استقالة جماعية
وعلى أثر الاقتحام لمكتب الأغا، فقد علمت "الرسالة نت" من مصادر فتحاوية، أن الهيئة القيادية العليا لحركة فتح في غزة وضعت استقالتها أمام رئيس السلطة محمود عباس بصفته رئيسا للحركة، مشيرة إلى أنه جرى التوافق بين أعضاء الهيئة القيادية على قرار الاستقالة دون الرجعة فيه.
وبينت المصادر أن الخطوة التصعيدية التي جرى اتخاذها من الهيئة القيادية العليا جاءت نتيجة عدم استجابة القيادة المركزية للحركة لاحتياجات التنظيم في القطاع، وخاصة المتعلقة بإعادة المقطوعة رواتبهم، والحصول على درجات باقي الموظفين المتوقفة، بالإضافة إلى عدم تسوية ملف تفريغات 2005.
ولم يشأ جمال محيسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الولوج كثيرا في تفاصيل استقالة الهيئة الفتحاوية في غزة، وذلك بزعم أنه شأن داخلي.
غير أن محيسن أكد في حديث مقتضب لـ "الرسالة" أنه لن يتم قبول استقالة الهيئة من قيادة فتح المركزية، منوها إلى أنه على صعيده الشخصي "ضد هذه الاستقالة".
وفي المقابل، حاول محيسن خلط الأوراق وقلب الحقائق من خلال ربط المطالب الفئوية لحركته بالمطالب العامة لسكان قطاع غزة، زاعما أن عدم تمكين حكومة الحمد الله من العمل في غزة "يعطل حل 90% من المشكلات القائمة في القطاع!".
تدخلات سافرة
من ناحيته، كشف الكادر الفتحاوي هشام ساق الله، الدوافع الحقيقة لاستقالة الهيئة القيادية العليا لفتح في القطاع، مشيرا إلى أنه منذ تولي الهيئة لمهامها التنظيمية تعرضت لتدخل سافر من بعض أعضاء اللجنة المركزية المتواجدين في رام الله.
وأوضح ساق الله في تدوينة له على صفحته شكل هذه التدخلات، وهي من خلال تسريب معلومات للكوادر الصغار من أجل إضعاف موقف الهيئة بغزة، إضافة إلى وجود تنافس واضح وضخ أموال كثيرة من المفصول من حركة فتح محمد دحلان وتشكيله للأطر قيادية موازية للأطر التنظيمية داخل غزة.
يذكر أن الانتخابات الداخلية لفتح شهدت عراكا حادا بين أنصار عباس من جهة، وأنصار دحلان من جهةٍ أخرى، ووصل في بعض الأحيان إلى الاشتباك بالأيدي والسلاح الناري، فيما توقفت معركة الانتخابات الداخلية التي كانت محتدمة في المناطق والأقاليم الفتحاوية دون إبداء الأسباب الحقيقة لذلك.
غياب البرنامج الوطني
وعبرت هيئات فتحاوية في قطاع غزة، عن استنكارها الشديد لقيام مجموعة ممن يدعون بانقطاع رواتبهم باقتحام مكتب الأغا، مستخدمين آلات حادة وحاملين بعض اسلحتهم الخفيفة.
ووصفت الهيئات في بيان لها هذا التصرف بأنه "تطرف غير محترم يستهدف المؤسسات والرموز الوطنية التي دأبت على بذل كل جهد ممكن لمعالجة الأزمات التي يأن تحت وطأتها عموم أهالي قطاع غزة بما في ذلك الأزمة المتكررة لانقطاع الرواتب"، مؤكدة أن طريق معالجة انقطاع الرواتب لا يتم -على الاطلاق- باستخدام أسلوب البلطجة وتكسير الأبواب واقتحام المكاتب والاعتداء على العاملين فيها.
ومن ناحية تحليلية، فقد أرجع الكاتب والمحلل السياسي محمود العجرمي، الأسباب الحقيقة التي دفعت الهيئة الفتحاوية في غزة لتقديم استقالتها، إلى الصراعات والتجنحات التي لا حصر لها داخل حركة فتح، مؤكداً أن جوهر ما أوصل الأخيرة إلى ذلك "أن التنظيم فقد برنامجه الوطني".
وذكر العجرمي لـ "الرسالة نت" أن غياب الاتجاه والبرنامج الوطني لفتح والذي جاء بعد اتفاق أوسلو وشكّل انحرافا وطنيا خطيرا، إلى جانب غياب الديمقراطية الداخلية، أدى إلى توريث التصدعات والانشقاقات.
واستدل العجرمي على حديثه السابق، بأن المؤتمر السادس عقدته حركة فتح بعد عشرين عاما من المؤتمر الخامس، بحيث أصبحت كل هيئات فتح معينة ووفق تجنحات وليست مبادئا، مشددا على أن الصراع داخل فتح ليس على المبادئ والوطنية وإنما على المناصب والمصالح والفئوية.
يذكر أنه لم تُجرِ حركة فتح في قطاع غزة منذ منتصف حزيران (يونيو) 2007، أي عملية انتخابات داخلية لفرز قيادات جديدة للإشراف على أقاليم الحركة الثمانية، وبقيت القيادات التي انتخبت في مؤتمرات سابقة تمارس عملها لغاية الآن.
أما الجانب الآخر الذي أدى لتراجع فتح، فقد رآه العجرمي بأنه يعود إلى تحول احتجاجات أعضاء فتح وبشكل خاص كوادرها ممن هم في سدة السلطة إلى" احتجاجات مطلبية" للبحث عن الذات وتقاسم جزء من كعكة موهومة، لافتاً إلى أن "حركة فتح تماهت مع سلطة تتخابر رسمياً وعلناً مع الاحتلال، وقادتها يبحثون عن الاستثمارات والاستفادة "، على حد تعبيره.
ومن وجهة نظر العجرمي، فإن الهدف الأول لعباس من وراء إتفاق أوسلو كان "إنهاء حركة فتح كحركة وطنية فلسطينية بغض النظر عن كل اجتهاداتها السياسية"، منوهاً إلى أن اتفاق أوسلوا كان يهدف إلى القضاء على المقاومة برمتها.