لم تنجح بنود الاتفاق التي اقترحها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري منذ قرابة ثلاثة أشهر على الحكومة الأردنية في وقف الاعتداءات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى، بل على العكس فقد اتخذها الاحتلال مظلة للامعان في اقتحاماته واعتداءاته بحق لأقصى.
وفي مخالفة صريحة لبنود الاتفاق اقتحم 56 من ضباط "حرس الحدود" والمخابرات الإسرائيلية صباح أول أمس الثلاثاء باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة بحراسة أمنية مشددة.
وتتعهد حكومة الاحتلال، حسب بنود الاتفاق، الحفاظ على الوضع القائم، وتخصيص المسلمين بالصلاة وغير المسلمين بالزيارة بعدد لا يتجاوز 25 يوما، ونصب كاميرات لمراقبة المسجد الأقصى على مدى 24 ساعة، وهو الأمر الذي قوبل برفض الفصائل الفلسطينية التي رأت أن الاتفاق الأمريكي "يعزز من الوجود الإسرائيلي داخل الأقصى".
تثبيت الاتفاق
وقال أحد العاملين في الأقصى إن 56 ضابطًا اقتحموا المسجد الأقصى بلباسهم العسكري وأسلحة حراسهم، ونظموا جولة استكشافية في باحاته.
وأوضح أن هذا تزامن مع اقتحام 51 مستوطنًا متطرفًا للأقصى، وتجولوا في أنحاء متفرقة من باحاته بحماية مشددة من القوات الخاصة وقوات التدخل السريع، إلا أن المصلين تصدوا بهتافات التكبير لتلك الاقتحامات.
بدورها كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مطلع الأسبوع الماضي أن الجانبين الأردني والإسرائيلي يجريان اتصالات لتثبيت الاتفاق الذي جرى الحديث عنه من قبل حكومة الاحتلال نهاية العام الماضي والذي قضى بنصب كاميرات مراقبة في باحات المسجد الأقصى، والذي زعم الجانبان أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يهدئ التوتر في أعقاب الاقتحامات المتكررة للمستوطنين.
وأوضحت الصحيفة إلى أن هذه التفاهمات لم تطبق حتى الآن بسبب خلافات بين الجانبين الأردني والإسرائيلي، مشيرة إلى أن هذه الاتصالات تجري بدون مشاركة السلطة الفلسطينية فيها.
وبحسب الصحيفة فإن نقطة الخلاف بين الجانبين تتمحور حول الجهة التي ستسيطر على منظومة الكاميرات، وهل سيتم بث صورها إلى غرفة مراقبة إسرائيلية أم أردنية؟، أم إلى موقع انترنت يكون بإمكان أي شخص مشاهدة بث حي لهذه الكاميرات؟
المحلل في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي قال إن الكثير من الدلائل تؤكد أن الأردن قد وقع ضحية تضليل ممنهج قام به نتنياهو عندما أقنع الحكومة في عمان بالتوصل لاتفاق بشأن ترتيبات تواجد المستوطنين الصهاينة داخل الحرم القدسي الشريف.
وأضاف: كان من المتوقع أن يضع هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه برعاية وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، حداً للمخاوف من أن إسرائيل شرعت بالفعل في تقسيم الحرم، موضحا أنه سرعان ما تبين أن نتانياهو وأجهزته الأمنية قد خططوا لتحويل الاتفاق مع الأردن إلى رافعة لتحسين السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الحرم القدسي؛ وهذا باعتراف الإسرائيليين أنفسهم.
غطاء للانتهاكات
وفي ذات السياق قال رئيس قسم المخطوطات والتراث في المسجد الأقصى الدكتور جمال عمرو، إن حكومة الاحتلال انكشفت على حقيقتها فهي عبارة عن مجموعة من الحركات الدينية الداعشية المتطرفة وتنادي بذات الأهداف.
وأوضح أن دولة الاحتلال تسوق انها تتفق مع الدول العربية لإحباط الشعب الفلسطيني ولإثبات أنهم وصلوا لمرحلة تدجين الشعوب إلا أن ذلك لن يحدث.
وبحسب عمرو فإن الاحتلال نسف كل مبادئ الاتفاق التي جرى الاتفاق عليها، مشيرا إلى أنه لا يتصور أن يكون الأردن وسيلة للاستيلاء على الأقصى.
واعتبر أن بنود الاتفاق هي من أخطر ما يتعرض له المسجد الأقصى، موضحا أنه غطاء للمزيد من الانتهاكات في المسجد الأقصى.
ويرى عمرو أن الاتفاق لن يتم ليس بسبب الأنظمة العربية وقلقها على المسجد الأقصى بل لأن الاحتلال ينحرف نحو التطرف، لذا فهو لن يقبل أي خطوة أردنية في المسجد الأقصى حتى لو كانت مجرد حق إدارة جزء من الكاميرات.
ويوافق الرأي النعامي والذي يرى أن الاستجابة للموقف الإسرائيلي يعني تمكين الأجهزة الأمنية الصهيونية من توظيف الكاميرات في مطاردة الفلسطينيين الذين يقدمون للحرم للصلاة وللرباط من خلال جمع قرائن تدينهم أمام المحاكم الإسرائيلية.
ومن الملاحظ أن دولة الاحتلال لجأت مؤخرا لتنظيم رحلات للمدارس الإسرائيلية إلى ما يعرف بـ "معهد الهيكل" وهو مؤسسة أخذت على عاتقها القيام بالتجهيزات اللازمة من أجل إعادة بناء الهيكل على أنقاض الحرم، في ضربة واضحة للاتفاق.
وتساءل النعامي ماذا يعني أن تمنح- الولايات المتحدة- التي رعت الاتفاق بين تل أبيب عمان، اعفاءات ضريبية لرجال أعمال يهود أمريكيين يتبرعون لمنظمات يهودية تجاهر بتخطيطها لتدمير المسجد الأقصى؟
وطالب بموقف أردني قوي يمنع (إسرائيل) من توظيف الاتفاق مع عمان لتنفيذ مخطط تهويد الحرم.