"قباطية".. الجمهورية الحرة التي تهابها (إسرائيل)

قوات الاحتلال الاسرائيلي
قوات الاحتلال الاسرائيلي

غزة- محمود فودة

لم يكن عبثا يوم أسميت قباطية البلدة الواقعة إلى الجنوب من مدينة جنين بـ "الجمهورية الحرة"، حينما رفضت الاستسلام للاحتلال (الاسرائيلي)، وقادت انتفاضة الحجارة عام 1987، وأرسلت الحزامات الناسفة إلى قلب (إسرائيل) في انتفاضة الأقصى، وتقدمت الصفوف في انتفاضة القدس.

ومنذ بداية انتفاضة الحالية مطلع اكتوبر المنصرم، قدمت "الجمهورية الحرة" 9 شهداء ارتقوا جميعا في 6 عمليات بطولية في مناطق مختلفة من فلسطين، حيث كان آخرها عملية (الفدائيون الثلاثة) بالقدس المحتلة، التي أسفرت عن مقتل مجندة (إسرائيلية) وإصابة عدد آخر.

ورغم الهدوء النسبي لمحافظة جنين في انتفاضة القدس بحكم عدم وجود نقاط تماس مباشر مع الاحتلال وخلوها نسبيا من المستوطنات، إلا أن قباطية كسرت حاجز الصمت بتسعة شهداء قدمتهم في الشهور الثلاثة الأخيرة.

وما زال أهل قباطية يفتخرون بأنهم كانوا الأوائل في مفاصل تاريخية في حقب المقاومة المختلفة؛ فمن قباطية خرج أول من قتل حاكما عسكريا بريطانيا من رجالات ثورة القسام، وفيها قتل أول عميل للاحتلال في الانتفاضة الأولى، ومنها كانت أولى العمليات الاستشهادية للمهندس يحيى عياش التي زلزلت الاحتلال ردا على مجزرة الحرم الإبراهيمي.

وبالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلدة، فإنها تقع على بعد 9 كلم إلى الجنوب الغربي لمدينة جنين وتعتبر أكبر التجمعات السكنية في المدينة وترتفع 256م عن سطح البحر في بطن واد تحيط به شعبتان جبليتان، وتنتشر بيوتها على قمم وسفوح عدد من الجبال المطلة معظمها على سهل قباطية عرابة.

وحول تسميتها بـ "قباطية" قال بعضهم إنها من "قمط" وقد تم تحريف اللفظ من "قماطية" إلى "قباطية" وجاءت من قمط الشيء بعد تحميله على الدواب إذ كانت مكانًا لاستراحة القوافل لوقوعها على الطريق التجاري بين مصروالشام.

وكانت بداية العمليات التي انطلقت من قباطية هي عملية الشاب أحمد كميل، حيث حاول القيام بعملية طعن بطولية على حاجز الجلمة القريب من جنين، قبل أن يطلق جنود الاحتلال النار عليه ليستشهد على الفور.

وفي عملية مشابهة قام الشاب قاسم سباعنة ابن البلدة بمحاولة طعن على حاجز زعترة العسكري جنوب نابلس، وذلك بعد قيادته لدراجة نارية وحيازته لسكين واتجاهه بسرعة نحو جنود الاحتلال قبل إطلاق النار عليه ليرتقي شهيدا.

وفي ذات الأسبوع الذي ارتقى فيه الشهيد كميل وسباعنة في الشهر الأول من الانتفاضة؛ التحق الشهيد محمود نزال بركبهم لدى محاولته تنفيذ عملية طعن بطولية على حاجز الجلمة العسكري، وبعده بشهرين ارتقى الشهيد أحمد أبو الرب على ذات الحاجز وذات الطريقة.

وقرب حاجز حوارة العسكري جنوب نابلس نفذ الشهيدان محمد ونور سباعنة عملية طعن مزدوجة أدت لإصابة اثنين من جنود الاحتلال واستشهاد الشابين على الفور.

وقد انضم بعملية الشهداء أحمد زكارنة ومحمد كميل وأحمد أبو الرب، إلى كوكبة من شهداء بلدة قباطية التي قدمت عددًا من الشهداء خلال انتفاضة القدس، ليؤكدوا بتضحيتهم تلك أن بلدتهم ستبقى في الخطوط الأمامية لمقاومة الشعب للاحتلال حتى كنسه عن الأرض الفلسطينية.

واللافت أيضا في هذه البلدة، مشاركة أهلها جميعا والقرى المجاورة في جنازات أبناءها، إذ توصف جنازات الشهداء فيها بـ "المهيبة"، في إشارة إلى دعم العمليات الفدائية وانتفاضة الشبان القائمة منذ شهور على الأرض الفلسطينية.

المشاهد التي وثقتها وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية، أرجعت الذاكرة إلى انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000، حيث رشق جيبات الاحتلال بالحجارة، والزجاجات الحارقة، والمشاركة الشعبية الواسعة من كل الفئات.

 ومنذ أيام شهدت بلدة قباطية مواجهات وصفت بـ "الأعنف" منذ بداية الانتفاضة، بين شبان البلدة وجنود الاحتلال الذين اقتحموا البلدة وأعلنوها منطقة عسكرية مغلقة، وذلك في خطوة عقاب جماعية لأهل البلدة الذين قدموا الشهداء الأبطال خلال الانتفاضة، وخاصة شهداء عملية القدس الأخيرة.

وحاول الاحتلال بفرضه الحصار على قباطية، منع أهلها من المشاركة في تشييع منفذي عملية "باب العامود" إلا أن المشاركة الواسعة احبطت مخططاتها، وأوضح أن الحصار سياسة فاشلة لا يمكنها كسر عزيمة الفلسطيني.

وبالرجوع إلى الخلف قليلا، نجد أن قباطية تعرضت خلال الانتفاضة الأولى للحصار ومنع التجول من قبل الاحتلال لأكثر من 45 مرة، وفي إحدى المرات دام الحصار 40 يوما متواصلا، بينما بلغ مجموع أيام منع التجول ما يزيد عن 250 يوما.

ويقول الناشط جهاد أبو كميل أحد سكان البلدة إن الروح الثورية لدى أهالي البلدة مرتفعة جدا منذ بدء انتفاضة القدس، من خلال متابعتهم الدائمة لتفاصيل الأحداث، ومشاركة أبناء البلدة في عمليات فدائية بما استطاعوا عليه.

وأشار إلى المواجهات الأخيرة التي وقعت في البلدة شهدت مشاركة شعبية واسعة من كافة أطياف وفئات المجتمع، والجديد هنا أن أهالي البلدة شكلوا مجموعات حراسة ليلية؛ خوفا من اقتحام الاحتلال للمنطقة دون تعرضها لأي مواجهة مع الشبان.

وأوضح أن أهالي القرية أحسوا بـ "الانتصار" بعد إزالة الحصار عنها والذي دام 3 أيام متتالية دون أي يحقق أهدافه، المتمثلة بإعتقال عدد من الشبان، وهدم منازل منفذي العمليات الفدائية.