يحتفل الليل كلّ يومٍ بمأدبة عشاءٍ راقص يظلّ واقفاً فيها على جثة الصباح إلى أن ينهض من مقامه ويعلو فوقه ، ويبدأ الليل بتكدير صفوه بإطلاق غماماتٍ سوداء وألوان رمادية ما جاءت إلا لتعبث بنقائه .
على الهامش الأيمن يقف ما يقارب الـ 2.5% من العالم مَن لديه الانتماء المحض لعالم الحق الذي خُلق فينا ، وعلى الهامش الأيسر يقف مثلهم تماماً من لديهم انتماءٌ خالصٌ لعالم الشرّ الذي خلق أيضاً فينا ، وبينهما بقعةٌ رماديةٌ من العامة ، منهم من خضع بالمنطق للخير ومنهم من خضع بالقول للشر ، ومنهم متذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء !
يحكمنا في ثورة الحق على الباطل ، وانتصار اليقين على الشك أن نتمالك أقدامنا ونحن نمشي طريق الشوك ، ونعلم أن عقول الناس أكوابٌ فارغة إن لم نملأها نحن بما لدينا يملأها غيرنا بما لديه .
وعبر دوراتٍ طويلة من الزمن وقد قلّم الحقّ أظافر أيديه حتى على حين غرّةٍ وجد أظافر حوافره طالت واستحكمت حلقاته في مشواره الطويل .
وقد مضت المعركة طويلاً وتمكّن خضار الشجر من يابسها ، وتسلّم زمام النور والنار ، وبدأ الناس يبحثون عن جناح الغمام ، وعن ظلٍّ يواريهم من حدق الشمس الحارق ، يريدون أن يلتفوا للحق وقد أنهكتهم الرذيلة وسوء الأخلاق ، ولعبت بهم رياح الكدر والغصة ، وعندما لم يرق لدار الندوة أن تنهزم في نهاية المطاف ، وحين لا تستطيع أن تنفع نفسها أرادت أن تضرّ غيرها ، فـ رمتني بدائها وانسلّت وكما يقول المثل ودّت الزانية لو أن كلّ النساء زواني ، هكذا تحاول قوى الشر أن تُدير رحاها ضدّ المستضعفين في الأرض ، فتكمن لهم في لقمتهم ونومهم وظروفهم البسيطة لترجّهم وتهزّ عروش الشمس أمامهم !
لكن سيّد نفسه وصاحب العقل والموقف لن يخفى عليه أن يتمسّك بتلابيب الحق حتى آخر رمق ، وأن يُدرك ما أدركه سيد قطب وحسن البنا والهضيبي وزينب الغزالي ، وأننا في معركة الحقّ إذا لم نستطع شيئاً استطعنا أشياء ، وأننا إذا لم نستطع أن نكون عطشاً لخصمنا كنّا له كدراً في الماء ، وأننا إذا حرمنا قمح الأرض زرعنا أشواكها ، ليتعثّر كل من يعترض طريق الحق لحظة !
ودعاؤنا في كل لحظة أن يرينا الله الحقّ حقاً ويرزقنا اتّباعه ، ويُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه !