قائمة الموقع

مقال: شموع تحترق في غزة!

2016-01-06T16:29:46+02:00
محمد أبو حية
بقلم / محمد أبو حية

أشعلت شمعة طمعاً في الضوء والدفء معاً, ابتعدت عنها, فجدتي أخبرتني قديماً, أن "الدفء بالعين", لأبقى بعيداً عن موقد النار, الذي تشعله قرب باب بيتنا وسط المخيم, وتنقله لحجرتها عند المغيب حتى لا أحترق وقد صدقتها, فالطفل يسهل ترغيبه وترهيبه.

راقبت الشمعة والدموع تنهمر منها ساخنة وسرعان ما تتحجر وقلت في نفسي كم من شمعة تذوب في ليل غزة البارد الحالك؟!

أخبرتني جدتي يوماً, أن البشر كالشموع, لهم أهداف ورسائل يؤدونها, وسرعان ما يتلاشون عن الدنيا, وأسمى أمانيهم إسعاد طفل في حفل يوم مولده, حتى لو احترقوا فقراً وجوعاً فالمهم رسم البسمة على وجوه هدايا الرحمن.

اعتدلت في جلستي فإذا بهالتين من الضوء في عيناي, رأيتهما في مرآة علقها جدي في الحجرة القائمة منذ النكبة ليراقب مرضا أصابه بعد مرور 67 عاما على مولده فلم يستطع السفر خارج المحاصرة ليتعالج فمات حسرة وألماً.

كان يخبرني ذاك العجوز الفدائي الذي يخشى المرور عبر بوابات المحتل إلى العالم أن جارتنا "أم الدنيا" لها وجه جميل ضحوك تطعم الجائع وتنصر المظلوم وتداوي العليل فتعجب لماذا أوصدت أبوابها بوجهه في هذا الزمان.

أزحت وجهي عن المرآة اللعينة التي ودع جدي نفسه عبرها قبل الرحيل لأنها حرمته الابتسامة بسبب الصورة القاسية التي عكستها لوجهه المتجعد المصّفر المترهل.

ليس جدي من مات وهو يرجو جرعة من الدواء تخفف عنه طعنات المرض فحسب فطفل جارتنا مات ولكن بصمت فهو إبن أربعة ولا يعرف ماذا يعني الموت وقبل أن يفارق الحياة سأل أمه لماذا لا أستطيع الوقوف واللعب وتناول الحلوى؟!

جلست أتمتم بكثير من الأشياء وأرسل الرحمات لمن طوتهم الأرض حتى نمت في مكان جلوسي واستيقظت على صوت عصافير الحي الجائعة كمن ترفرف فوق بيوتهم وإذا بالشمعة انصهرت في الليلة السوداء لتمنحني شيئاً من الضوء والدفء إلى حين!

حار فكري في الصباح كيف أكسر أقفال معابر غزة وأعيد النور إليها وأوفر جرعة من الدواء لمرضاها وأعين سيدة على إطعام طفلها وطالبا على إكمال تعليمه فلم أجد سوى الدعاء بالرحيل الجماعي إلى السماء لأن فيها ملك عظيم لا يظلم عنده أحد!

 

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00