بالغضب والرصاص تطرق انتفاضة القدس أبواب العام الجديد والتي يتوقع المراقبون لها أن تتصاعد وتيرتها خلاله وتشهد المزيد من عمليات المقاومة التي قد تحدث تغييرا كبيرا على الحالة السياسية الفلسطينية.
ويمكن القول إن الحالة السياسية في الاراضي الفلسطينية وانتفاضة القدس تعول كل منهما على الأخر فالأولى بحاجة للانتفاضة التي تحدث تدريجياً حالة من الحراك والتغيير الميداني والذي يمكن البناء عليه سياسياً اذا ما استثمر فلسطينياً بشكل جيد، كما أن الانتفاضة لا يمكن لها ان تنضج وتحقق نتائج دون بيئة سياسية حاضنة وملتفة حولها.
ورغم الزخم الكبير الذي تحظى به الانتفاضة إلا أنها لم تصل بعد لمرحلة النضوج التي يمكن أن تخلق بيئة سياسية وميدانية من شأنها أن تحدث تحولات جذرية، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها وأهمها دور السلطة الفلسطينية والتي يتضح من سلوك أجهزتها الأمنية خلال الشهر الأخير تحديداً أنها اتخذت قرارا بإنهاء الانتفاضة بعد أن كان موقفها في بداية الانتفاضة مرتبكا ومترددا.
التحديات لم تقف عن ذلك الحد بل تعدته لتشمل الأوضاع الاقليمية والدولية المعقدة للغاية خاصة وأنها بدأت في خضم متغيرات متسارعة جداً في المحيط العربي.
وأمام هذه المعطيات تبدو الحالة الضبابية على المستوى الاقليمي مرشحة لمزيد من التدهور خاصة أن الاطراف اللاعبة والمؤثرة غير ثابتة ما يعني أن التنبؤات والتوقعات تبدو مهمة صعبة، لذا تحرص (إسرائيل) على استعادة الهدوء في الاراضي الفلسطينية بقدر المستطاع خاصة وهي ترقب ملفات ساخنة في الاقليم وتخشى انفجارها.
ويمكن القول إن أي حراك فلسطيني بحاجة دائماً لثلاثة عوامل أساسية حتى يحقق أهدافه أهمها الوحدة الفلسطينية والاصطفاف خلف هذا الخيار وبيئة عربية واسلامية حاضنة له، ثم ضغط دولي، وهذه العوامل غائبة تقريباً.
وفي ظل الوضع القائم تقف الانتفاضة الفلسطينية امام عدة سيناريوهات في العام 2016.
مؤسسة القدس الدولية أعدت دراسة حاولت من خلالها قراءة البيئة المحلية والإقليمية والدولية المحيطة بانتفاضة القدس، وخرجت بالسيناريوهات الممكنة لتطورها.
السناريو الأول أن تتوسع أنشطتها جغرافياً وتزداد وتيرة الانخراط الشعبي فيها، وهذا يتطلب تغيراً في موقف قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله أو على الأقل لدى جزءٍ منها بتبني خيار الانتفاضة ووقف محاربتها وتوجيه المقدرات والموارد لدعمها.
وهذا السيناريو يقتضي قدرة الفصائل الفلسطينية على ترجمة خطابها واستجدائها السابق للانتفاضة إلى أدوات دعمٍ وتشجيع واحتضان تتوافق والواقع القائم، وهذا السيناريو هو المفضل لتحقيق المصالح الفلسطينية وفرض تراجعٍ ولو نسبي على الاحتلال.
وبحسب الدراسة فإن السيناريو الثاني هو استمرار الوتيرة الحالية على المدى المتوسط
أي استمرار انطلاق العمليات بمبادراتٍ فردية في الأغلب، وباحتضانٍ تنظيمي في جزءٍ منها، من دون توقف أو تراجع، ومن غير نجاح أي طرفٍ في فرض تسويةٍ سياسية توقفها، لحين حصول تغييراتٍ جديدة في المشهد.
وتطرقت الدراسة إلى سيناريو ثالث وهو الوصول إلى تسوية سياسية قريبة توقف الانتفاضة
وهذا يتطلب تراجعاً في وتيرة العمليات والمشاركة متزامناً مع دورٍ للأردن والسلطة الفلسطينية لتقديم تسوية، وبضغوطٍ أمريكية على قيادة الاحتلال لقبولها، وهي في الغالب إن حصلت ستتجه لإدامة الوضع السابق للانتفاضة ولن تتمكن من إحداث اختراقاتٍ ذات قيمة.
وتؤكد الدراسة أن الأردن وقيادة السلطة حريصتان على هذا السيناريو كلّ من طرفه، وإن كانت السلطة تتطلع للوصول منفردة لتسوية بعيدًا عن الدور الأردني، إلا أن اقتراب الانتخابات الأمريكية قد يفوّت فرصة الرعاية الدولية اللازمة لحصولها.
ووفق الدراسة فإن السيناريو الرابع هو الذوبان التلقائي بلا نتيجة أو مقابلٍ وذلك في حال نجحت إجراءات التجفيف والإرهاب والتهويل الصهيونية، واستنزاف الأفراد المبادرين دونما تجدّد بشكلٍ يؤدي إلى ذوبان تلقائي للانتفاضة وعودة للحياة العادية بلا ثمنٍ سياسي.
الخوف من هذا السيناريو يبدو أنه يسيطر على مختلف الأطراف الفلسطينية لكونه الأسوأ أثراً عليها، ويدعوها للتعجل في تقديم مبادراتٍ سياسية.
وترجح الدارسة ان يكون السيناريو الثاني هو الأقرب لواقع الانتفاضة ما لم تحدث تغييرات جذرية في مواقف الأطراف الفاعلة كما ان عدم قدرة القوى الفلسطينية المقاومة على التقاط الانتفاضة واحتضانها بشكلٍ مناسب يدفع باتجاه الذوبان.