أحد عشر عاماً مضت على تولي محمود عباس رئاسة السلطة، شهدت خلالها القضية الفلسطينية تراجعاً كبيراً بعد فشل مشروع التسوية الذي استمر عقدين من الزمن ولم يجلب للفلسطينيين سوى الويلات.
الاقصاء والتفرد وتركيز الصلاحيات في يده سياسة انتهجها عباس على مدار تلك السنوات التي عمل خلالها بكل ما لديه من قوة كي يفرض سيطرته على كل مفاصل القرار السياسي الفلسطيني.
سيطرة كان يرى فيها الرجل الذي تجاوزه عمره الثمانين عاماً أنه الأقدر على قيادة القضية الفلسطينية إلى بر الأمان عبر مشروع التسوية السياسية مع الاحتلال والقائمة على مبدأ "الحياة مفاوضات" وإسقاط خيار البندقية رغم أن فتح كانت تتغنى دائما بأنها صاحبة الطلقة الأولى.
لم يقف الوضع عن ذلك الحد بل شهدت سنوات حكمه تكبيلاً للصلاحيات وتعطيل للمؤسسات والاستحواذ على جميع السلطات وتركيزها في يده فعطل المجلس التشريعي بعد فوز حركة حماس بأغلية ساحقة في الانتخابات التشريعية عام 2006، بالإضافة إلى تعطيله للمجلس الوطني الفلسطيني وتهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن كانت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
"المسرحية" التي يخرجها عباس، ظهرت جلية في القرارات التي اتخذها بالفترة الأخيرة فقام بإقالة مسئولين باللجنة التنفيذية إلى جانب اقالته وزراء وتعيين جدد بناءً على أوامره التي يُمليها على حكومة التوافق التي أخضعها لسلطته وصولاً لإقالة 25 من أعضاء مؤسسة محمود درويش الثقافية.
ويبدو أن أبو مازن يتقن فن "لعبة العرائس" بعد أن جمع كل الخيوط في أصابعه وأصبح يحرك بها من يشاء وقتما شاء حسب رغباته وأهوائه وليس وفق ما تمليه عليه المصلحة الوطنية ودليل ذلك ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من تراجع.
ويرى مراقبون أن أكثر ما يشيط غضب الرئيس الذي اجتاح الشيب رأسه هو الحديث عن خليفته، الأمر الذي دفعه لممارسة سياسية الاقصاء والابتزاز المالي ومحاربة خصومه السياسيين أمثال محمد دحلان وسلام فياض وياسر عبد ربه أو حتى خارج حركة فتح كحركة حماس التي يرفض التصالح معها.
وهو ما بينته الأيام الأخيرة من خلال رفضه لجميع الوساطات والجهود الدولية التي كانت تدفع باتجاه تصالحه مع خصمه اللدود محمد دحلان خشية انقلاب الأخير عليه في المرحلة السياسية المقبلة أو تفوقه في أي انتخابات داخلية فتحاوية مقبلة.
حالة التيه التي أدخل بها عباس القضية الفلسطينية رأى فيها الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة أنها مصلحة (إسرائيلية) سعى الاحتلال لها منذ عشرات السنوات.
ويؤكد أبو شمالة في حديثه لـ "الرسالة" أن تركيز جميع السلطات في يد أبو مازن هو مطلب (إسرائيل) التي سعت له دائما كون أن التعامل مع شخص واحد أفضل لها بكثير من التعامل مع عدة أشخاص.
تفرد الرجل أطاح بشعبيته في الشارع الفلسطيني الذي أصبح يطالب برحيله من الباب الواسع، حيث أظهر استطلاع للرأي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن ثلثي الفلسطينيين يؤيدون رحيل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأن شعبيته وحركته "فتح" تراجعت خلال الآونة الأخيرة مقابل تصاعد شعبية حركة "حماس".
ورغم كل ما سبق فإن عباس لا يزال يُصر على مشروعه السياسي وتمسكه بكرسي الرئاسة منصباً نفسه وصيا على الشعب الفلسطيني.