قائمة الموقع

تجارة العملة والذهب.. "لعبة التجار" في ظل غياب سلطة النقد

2015-12-20T08:21:22+02:00
الرسالة نت- أحمد أبو قمر

أعرب المواطن فادي حمودة عن استيائه من فارق سعر صرف الدولار مقابل الشيكل، الذي يقدر بأربعة شواكل، متسائلاً عن أسباب ذلك.

وقال حمودة الذي قابلته "الرسالة" في أحد محال الصرافة بمدينة غزة: "خسرت 12 شيكلا من صرف 300 دولار؛ بسبب اختلاف السعر، وعندما نسأل عن السبب تكون الإجابة هذا الموجود في السوق".

في حين، ذكرت الحاجة أم عادل التي تشتري الذهب لابنتها المقبلة على الزواج، أن أسعار الذهب رخيصة حاليا، لكنها في الأسواق الغزية أغلى من نظيرتها بالضفة.

وتساءلت أم عادل عن أسباب ارتفاع أسعار الذهب في غزة عن الأسواق الخارجية؟

ويعاني قطاع غزة من انتشار السوق السوداء في أسعار صرف العملة، خصوصا الدولار مقابل الشيكل، وكذلك في سوق الذهب.

ويحدث أن يجد المواطنون فرقا في سعر صرف الدولار من منطقة لأخرى ومن تاجر لآخر، بنحو 3 إلى 5 شواكل في صرف كل 100 دولار في نفس لحظة البيع والشراء، الأمر الذي يكبدهم خسائر في معاملاتهم سواء كان بالرواتب أو المدخرات الشخصية أو المعاملات التجارية.

غياب رقابة سلطة النقد على الأسواق النقدية والمصرفية في غزة شجّع بعض التجار على التلاعب بأسعار صرف واستبدال العملات

وتتباين أسعار صرف الدولار مقابل الشيكل الإسرائيلي بغزة عن السوق بالضفة المحتلة، بفارق لا يقل عن (5-7) شواكل لكل 100 دولار؛ الأمر الذي يضر بالتجار والمواطنين.

"الرسالة" بدورها بحثت في الأسباب الكامنة وراء انتشار السوق السوداء في العملة والذهب، وتغيّر السعر بين الارتفاع والانخفاض، في معظم الأحيان.

لعبة تجار!

الكاتب والمختص في الشأن المالي أمين أبو عيشة، يذكر أن التباين الكبير في سوق صرف العملات بين محلات الصرافة والسوق "قليل حاليا وبالكاد يصل إلى شيكلين اثنين فقط"، مقارنة بالشهور الماضية التي وصل فيها حد التباين ثمانية شواكل في بعض الأحيان.

ويرجع أبو عيشة سبب محدودية السوق السوداء خلال الفترة الحالية إلى تحذيرات سلطة النقد على البنوك، وخصوصا بنك فلسطين، بعد الشراء من السوق المحلية، مشيراً إلى أنه لا ضمانات لعدم عودة السوق السوداء مجددا إلى قطاع غزة؛ نظرا لغياب الدور الفعلي لسلطة النقد.

ويقول: "(إسرائيل) الآن تسمح بدخول السيولة للسوق الغزّي على عكس الشهور الماضية، خصوصا أنها كانت تتعنت في ادخال السيولة معظم الأوقات، كنوع من الحصار المفروض على قطاع غزة".

ويشير إلى أنه بمجرد نقص السيولة ستعود السوق السوداء أدراجها، مطالباً بأن يكون الحل جذرياً، عبر رقابة فعلية وصارمة لسلطة النقد.

ويلفت أبو عيشة إلى أن تعليمات النقد الخاصة بصرافة العملة بالضفة تختلف عن غزة، "فالتعليمات موجودة، لكن غير منفّذة في القطاع".

ويرى أن الرقابة المشددة من سلطة النقد على السوق الغزية الضامن لاستمرار انتهاء السوق السوداء.

وتعد مهنة صرف العملات من بين المهن الرائجة في قطاع غزة، إذ تجذب مئات التجار الذين يتوزعون في الأسواق والساحات العامة على مدار ساعات النهار، وهم يحملون مبالغ من المال بعملات مختلفة من أجل البيع والشراء.

التقلب المستمر في سعر الصرف يعد مصلحة لكبار التجار الذين يتعاملون مع البنوك في حين يلحق الضرر بالمواطنين

كما أن شركات ومحلات الصرافة منتشرة بكثرة في قطاع غزة وعادة ما تحظى بتصميم وديكور مميزين، ربما يظهر انجذاب التجار للمهنة وللاستثمار فيها.

ويعترف أبو أسامة، صاحب محل صرافة رفض الكشف عن اسمه، أنه لا يعود للأسعار الرسمية (البورصة) في تلبية طلبات بيع وشراء العملات، بل يحتكم فقط لأسعار السوق، التي تتقلب بحسب العرض والطلب.

ويقول أبو أسامة إن جميع التجار في غزة لا يتداولون العملة وفق الشاشة، لكن حسب ما يجري تحديده في السوق المحلي، مشيراً إلى أن المواطنين يبدون استياءهم من الاختلاف في كثير من الأحيان.

ويؤكد أن التقلب المستمر في سعر الصرف يعد مصلحة لكبار التجار، الذين يتعاملون مع البنوك، في حين يلحق الضرر بالمواطنين.

ويضيف: "المشكلة تبدأ من اهمال سلطة النقد للسوق المصرفية في غزة، فمنذ الانقسام عام 2007 والنقد ترفع يدها عن غزة، ولا تعطي سوى توجيهات دون رقابة فعلية".

ونفي مصدر في أحد بنوك قطاع غزة، رفض ذكر اسمه، أن تكون البنوك الغزية تتعامل مع بعض تجار العملة في السوق السوداء.

التجار ينفون

وينفي التجار الذين يجدون أنفسهم دائما في موقع الاتهام من المواطنين، مسئوليتهم عن التلاعب الذي يحصل في أسعار صرف العملات، ويلقون باللائمة على البنوك وغياب دور سلطة النقد.

ويعزو الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع سبب اختلاف أسعار صرف الدولار مقابل الشيكل بين الضفة وغزة إلى غياب عملة الشيكل في الأسواق، محملا مسئولية ذلك إلى سلطة النقد والبنوك "كونها المسئولة عن توفير السيولة النقدية في الأسواق".

ويقول الطباع لـ "الرسالة" إن المواطن يعاني على مدار سنوات الحصار والانقسام من تبعات أزمة السيولة النقدية، مبينًا أن السوق أصبحت فترة من الفترات شحيحة من عملة الدولار، في ظل توافر عملة الدينار.

ويوضح أن الأزمة المالية التي مرت بها غزة قبل أشهر قليلة ليست الأولى، ففي نهاية 2009 كان هناك اختلاف في السعر بين الضفة وغزة، وصل إلى 20 شيكل لكل مائة دولار.

ويبيّن أن المواطن والتاجر هما المتضرران من الأزمة وكل من يتعامل بالعملة الأجنبية.

تعمل البنوك وبعض التجار على حجب الدولار والشيكل في الكثير من الأحيان؛ لرفع أو خفض صرف الدولار أمام الشيكل في السوق السوداء وفق حاجتها

ويختلف الطباع مع الخبير المالي أبو عيشة في وجود تلاعب بسعر الصرف، قائلًا: "لا يوجد تلاعب، وكل الأزمة نتاجها عدم وجود سيولة من عملة الشيكل في السوق"، مشددا على ضرورة أن يكون لسلطة النقد دور فاعل في توفير السيولة النقدية في السوق، وتوفير الرقابة اللازمة.

غياب الدور الفعلي للنقد

وتعمل البنوك وبعض التجار على حجب الدولار والشيكل في الكثير من الأحيان لرفع أو خفض صرف الدولار أمام الشيكل في السوق السوداء وفق حاجتها.

كما تتخذ البنوك سياسات خاصة تتمثل بعدم التعامل مع عملة الشيكل بسبب امتلاكها لها بشكل كبير، لكن في هذه الفترة أصبح هناك نقص واضح في الشيكل، "وهذا ما جعل الاختلاف ما بين السعر على الشاشة والسعر المطروح عند الصرافين وفق الطلب والعرض".

وتجدر الإشارة إلى أن سلطة النقد سبق أن حذرت من خطورة الآثار الاقتصادية المترتبة على واقع التلاعب بأسعار صرف العملات، ودعت التجار إلى الالتزام بسعر البورصة، بعيدا عن أي تلاعب، ونبهت المخالفين، لكن من دون إجراءات على أرض الواقع.

ورغم محاولات "الرسالة" أخذ موقف سلطة النقد من السوق السوداء، إلا أننا لم نتلقّ ردا منها.

كما أن سلطة النقد أكدت في أكثر من مناسبة أن الحصار (الإسرائيلي) على غزة، والقيود على حركة المبادلات بين القطاع والضفة الغربية، تلقي بظلالها على فروق سعر صرف الدولار بينهما لتصبح نسبة التمايز كبيرة، لأن البنك المركزي (الإسرائيلي) يحدد آليات الصرف والسعر.

وفي آخر بيان لها، دعت سلطة النقد محال شركات الصرافة العاملة في فلسطين كافة، إلى احتساب أسعار صرف العملات الرئيسية حسب سعر الصرف السائد عالميًا وبهامش 100 نقطة خلال اليوم (شيكل واحد فقط).

وأكدت أن المطالبة جاءت عقب الشكاوى التي تلقتها السلطة من المواطنين بالقطاع، بسبب اتساع فرق أسعار صرف العملات، وبالتالي تكبيد المواطنين خسائر نتيجة ذلك.

ويلاحظ أن البنوك تضع يوميا لوحة تعريفية بأسعار صرف العملات وفق سعر البورصة الرسمي، فيما لا يضع هذه اللوحة باقي التجار في محلات الصرافة الخاصة بهم، فضلاً عن عدم الالتزام بها.

وفي كثير من الأوقات تُجبر البنوك عملاءها على تقاضي رواتبهم بالشيكل، رغم أنها بالدولار أو العكس بحجة عدم توفر سيولة، وهو ما يثير استياء المتعاملين بسبب اجبارهم على صرف العملة بفارق لا يقل عن 4 شيكل لكل مائة دولار.

وفي السياق، أرجع الخبير المالي أبو عيشة، التباين بسعر الصرف في غزة عن سوق الضفة و(إسرائيل)، إلى تلاعب بعض تجار العملة، بالتعاون والاشتراك مع أحد البنوك المعروفة في قطاع غزة، لتحقيق "مكاسب دنيئة" بالشراء بأقل السعر والبيع للبنك والتربح من فروقات أسعار الصرف على حساب المواطن الفلسطيني.

ويقول إن غياب رقابة سلطة النقد على الأسواق النقدية والمصرفية في غزة شجّع بعض التجار على التلاعب بأسعار صرف واستبدال هذه العملات.

ويوضح أنّ تباين سعر صرف الدولار داخل غزة بين أوقات مختلفة، مقارنة مع غيرها من الأماكن كالضفة، يرجع بصورة أساسية إلى تحكم بعض كبار تجار محلات الصرافة بسعر صرفه في السوق الغزية.

ويذكر أنه لم يحدث أن وجدنا تطابقا بين سعر صرف الدولار على الشاشة والأسواق، لكن الهامش يختلف من فترة لأخرى بين (2-9) شيقل.

ويضيف: "يستمر تواطؤ كبار المتنفذين من تجار العملة، ويعملون على خفض سعر صرفه، متذرعين للمواطنين بأسباب اقتصادية مختلفة، منها عدم توافر عملة الشيكل "السيولة" وفي حالات قلة أو زيادة الطلب والعرض".

وينفى أبو عيشة حجة التجار أمام المواطنين بأن هناك نقصًا في عملة الشيكل، مؤكداً أن ذلك غير صحيح مطلقا وأن المواطن هو المتضرر الأول والأخير من هذه السياسة، والرابح الأكبر هم بضعة تجار كبار يسيطرون على قطاع سوق صرافة النقد في غزة، وفق قوله.

ويحمّل دائرة الرقابة والتفتيش على البنوك ومحلات الصرافة المرخصة التابعة لسلطة النقد، مسؤولية عملية الرقابة على هذه المؤسسات التي تتحكم بمصير عشرات الآلاف من المواطنين، الذين يتعاملون بعملة الدولار سواء بالراتب أو بالمدخرات الشخصية أو بالمعاملات التجارية.

ندرة كميات الذهب أدت لوجود هامش على السعر، يتراوح بين دولار أمريكي إلى دينار أردني على كل غرام

ويدعو أبو عيشة وزارة الاقتصاد الوطني إلى القيام بدورها عبر دائرة الرقابة على محلات الصرافة، بالإعلان عن السعر الحقيقي لصرف الدولار، مشدداً على أن المواطنين والتجار تلحق بهم أضرار وخسائر كبيرة بسبب التباين الكبير بين سعر الصرف والتداول النقدي وسعره بالسوق السوداء في غزة.

ومن جانبه، دعا الخبير الاقتصادي الطباع، البنوك إلى إصدار أوامرها بضخ عملة الشيكل في السوق، وما لديها من عملات، وعدم حجبها عن المواطنين حتى يستقر السعر.

ويقول: "التجار ورجال الأعمال في غزة يتأثرون سلبا بارتفاع وانخفاض أسعار العملات الأجنبية، خاصة الدولار لعدم وجود عملة فلسطينية للتداول في ظل التلاعب المستمر في سعر الصرف، وافتقاد السوق المحلي الدائم لعملة الشيكل".

ويشير الطباع إلى وجود تقصير كبير من سلطة النقد في مراقبة سوق العملات في غزة، وأنها تفتقد لدور فاعل ينظم العملية ويفرض سعرا موحدا للصرف، بعيدا عن احتكار وتلاعب التجار".

سوق الذهب السوداء

ويقر الصرّاف المتجوّل أبو خالد الحلبي أن أسعار صرف العملات، خصوصا الدولار، تشهد تلاعبا كبيرا، وعادة ما تستند لسعر السوق السوداء وليس البورصة.

ويقول الحلبي: "أحيانا نلتزم بسعر البورصة، لكن أكثر الوقت نبيع ونشتري بأسعار السوق السوداء؛ لأن ما يحكم صرف العملات في غزة هو حجم العرض والطلب في السوق".

ويضيف: "عندما يكون حجم العرض أكبر من حجم الطلب فهذا يؤدي إلى انخفاض سعر الصرف للعملات والعكس صحيح، لكن بالإجمال لا يوجد أمر ثابت، وهناك تجار كبار يتحكمون بمسار انخفاض وارتفاع الأسعار".

ويلفت إلى أن البنوك الرئيسية في قطاع غزة أكثر من يتحمل التلاعب الدائم بأسعار صرف العملات كونها "تحتكر" عملة الشيكل، وهو ما يكبد المواطنين خسائر متفاوتة.

ولم تقتصر السوق السوداء على العملات فقط، فتجارة الذهب أيضا تعاني من ذلك، حيث يعزو بائع الذهب في سوق مخيم جباليا أحمد الشبراوي الفرق بين سعر الذهب على الشاشة وسعره في السوق الغزية إلى تحكم التجار في ادخال واخراج كميات الذهب من وإلى غزة حسب الحاجة.

ويقول الشبراوي لـ "الرسالة": "معظم أصول الذهب تخرج من غزة سنويا وبشكل متفرق، فالكمية المتوافرة في الأسواق الغزية قليلة وهو ما يرفع أسعار الذهب في السوق المحلية".

ويضيف: "خلال الأيام الجارية الأصل أن يكون سعر الذهب -عيار 21 غرام - في السوق 21.70 ولكن يتداول بـ 22.20 ، أي بفارق نصف دينار على كل غرام".

ويؤكد أنه في حال زاد الطلب على الذهب فيتم ادخال كميات منه إلى القطاع، وبالتالي يتقارب سعر الشاشة مع السوق، وفي حال زيادة كميات الذهب المباعة من المواطنين يهبط سعره وبالتالي يُخرجه التجار من غزة.

ويشير الشبراوي إلى أنه من المفترض أن يكون لسلطة النقد ووزارة الاقتصاد بصمة فعلية على أرض الواقع وألا تترك السوق للتجار كما يحدث حاليا.

ويرجع أسباب الاختلاف في سعر المعدن الأصفر بين السوق والشاشة، إلى غياب السيولة في كثير من الأحيان، مبيّناً أنه في حال توفرت السيولة يتقارب السعر مع الشاشة.

بدوره، ينفى مدير دائرة المعادن الثمينة بوزارة الاقتصاد الوطني في غزة المهندس جمال مطر، أن يكون للتجار لعبة بأسواق الذهب في غزة، مؤكداً أن دورهم محدود في تحديد الأسعار.

ويقول مطر لـ "الرسالة": "مع حركة الذهب الطبيعية سيكون سعر الذهب بنفس سعر الأونصة، ولكن في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة نعاني من مشاكل في استيراد وتصدير المعدن الخام والمصنع، وبالتالي ظهور مشكلة الندرة".

ويوضح أن الندرة أدت لوجود هامش على السعر يتراوح بين دولار أمريكي إلى دينار أردني على كل غرام، وفي حال توافر كميات الذهب سيزول الهامش.

ويضيف: "ليس لدينا دور في ادخال الكميات من الذهب واخراجها، ومهامنا الرقابة على الأسواق فقط، فالأسعار من مهام سلطة النقد".

ويلفت إلى أن فرق التفتيش التابعة لوزارة الاقتصاد تراقب الأسواق على مدار اللحظة، وتعمل على الحفاظ على أن يكون الهامش دينارا كحد أقصى، متابعاً: "إذا كان الهامش أكثر من دينار فيكون السبب في نوعية المصنوعية وجودتها".

وتتلخص مشكلة السوق السوداء في العملة والذهب إلى غياب الدور الفعلي لسلطة النقد عن الأسواق في غزة، مما حدا بكبار تجار العملة والمعدن الأصفر للتحكم في كميات السيولة والمعدن التي تضخ للأسواق وبالتالي يتحرك سعر الصرف وفق ما يريدون.

وهنا تبقى المشكلة في يد سلطة النقد التي بحاجة وضع يدها على أسواق العملات والذهب في غزة وخلق رقابة صارمة.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00