ثوبٌ امتزج فيه السواد الأعظم برسومات مرتبة ومتناسقة حيكت بمهارة، ترتديه فتاة فلسطينية قطعت آلاف الكيلومترات لتصف للعالم ما يعيشه الفلسطينيون من صنوف العذاب والانتهاكات، في ظل بقاء محتلٍ إسرائيلي غاشم على أرضهم.
المشهد أعلاه، شدّ انتباه المئات من المشاركين في مؤتمر "عالم واحد للشباب" الذي يعد أحد أكبر المؤتمرات العالمية، وعُقد في بانكوك بتايلند نهاية نوفمبر الماضي، علاوة على ظهور علامات الاستغراب على شخصيات اتضح عدم علمها بمجريات الأمور في الأراضي الفلسطينية.
في ذلك المؤتمر، وقفت الشابة الفلسطينية عبير أبو غيث "31 عاما" أمام أكثر من 1500 شخصية قيادية وريادية من دول العالم، متحدثة باسم آلاف الشباب الفلسطيني لتوصل رسالتهم وتحكي فصول المعاناة مع الاحتلال والحواجز والاستيطان، وتراكمات ذلك وغيره على حياتهم ومعيشتهم.
كلمات عبير التي وقع عليها الاختيار ومجموعة من الشبان بين 400 متقدم حول العالم، شملت كيفية اغلاق الفجوة في التعليم والتوظيف بين النساء والرجال من خلال التعليم والتوظيف عن بعد، ومقترحات تجاوز الحصار المفروض على الأراضي الفلسطينية ومنع حرية التنقل والتعبير.
ترعرعت عبير بين أفراد عائلتها ذات الأصول البدوية، بعدما ولدت في مخيم "مادبا" للاجئين الفلسطينيين في الأردن عام 1984، قبل أن تنتقل مع عائلتها للعيش في قطاع غزة عاما واحدا ثم إلى بلدة دورا في مدينة الخليل بالضفة المحتلة، والتي تعيش فيها الآن.
بعد تخرجها من جامعة بوليتكنك فلسطين من تخصص هندسة الكمبيوتر بمرتبة الشرف عام 2007، لم يثنها عدم توفر فرصة عمل لأكثر من عامين عن البحث عبر الشبكة العنكبوتية عن كل ما يمكن أن يثري معلوماتها ويفتح آفاقا جديدة تمكنها من الوصول وتحقيق ما تطمح إليه.
قبل دخول العام الثالث على تخرجها، حظيت أبو غيث على أول فرصة عمل في نفس الجامعة التي تخرجت منها، كمُدرسة لإحدى مواد تخصص هندسة الحاسوب، علاوة على عملها في ذات الوقت في إحدى مدارس المرحلة الثانوية في بلدة دورا.
أولى الصعوبات التي واجهت عبير كانت عدم تقبل بعض الطلبة الجامعيين وخاصة الذكور منهم لفكرة تلقيهم محاضرات تعليمية من فتاة حديثة التخرج، وانسحاب بعضهم بعد المحاضرة الأولى، إلا أنهم سرعان ما عادوا إلى مقاعد محاضراتها بعد سماعهم بقدرات عبير وطرقها السهلة في شرح فصول مادتها وإيصال المعلومات للطلبة.
لم تكتفِ الشابة أبو غيث بذلك، فانضمت للعمل ضمن منتدى سيدات الاعمال في فلسطين، فيما حصدت بعد ذلك جائزة إحدى أقوى 100 امرأة عربية في العالم لعام 2014، وأيضا صُنفت ضمن أقوى 100 عربي تحت سن الـ 40 في عام 2015، إضافة إلى جوائز أخرى متعددة في مجالات مختلفة.
سير عبير وفق خطط محددة واستراتيجية حياة، إضافة إلى تمكنها من التحدث باللغة الإنجليزية بعد مواجهتها صعوبات في تعلمها، ساعداها في الوصول لهذه المرحلة وتحقيق إنجازات كبرى، كان أهمها تأسيس شركة "ستايلنكد" للتشبيك بين المواهب الفلسطينية وشركات عربية وعالمية خارج فلسطين وتقديم فرص عمل لهم، إضافة إلى تأسيسها مؤخرا شركة "مينيا اليانس" في إحدى جزر بريطانيا خلال العام الحالي، ليتوسع نطاق العمل ويضم شباب الشرق الأوسط وليس الفلسطينيين فقط.
وعن فكرة لبس الثوب الفلسطيني المطرز في المؤتمر الذي عُقد في بانكوك مؤخرا، قالت عبير لـ "الرسالة نت" إنها تعمدت إيصال رسالة للعالم أجمع بأن فلسطين حتى وإن كانت محتلة فإن لها تراثا وهوية يحافظ عليها شعبها وشبابها، مخالفة بذلك مقولة الاحتلال بأن "الكبار يموتون والصغار ينسون".
وأشارت إلى أن ثوبها المطرز لفت أنظار عدد كبير من المشاركين في المؤتمر، ودعاهم إلى السؤال حول ماهية هذا الزي وعن ماذا يعبر، علاوة على اعجابهم بطرحها وتعرفهم على مجريات الأمور في الأراضي الفلسطينية في ظل الاحتلال.
الشابة أبو غيث تؤمن بأن فلسطين تستحق الحياة، وأن كل فلسطيني يمكن أن يوصل قضيته إلى مشارق الأرض ومغاربها بطرق مختلفة، معلنة في الوقت نفسه انها تطمح لتوفير أكثر من مليون فرصة عمل للنساء في الوطن العربي خلال السنوات الخمس المقبلة.