كان كافيًا ذلك المكان المتواضع في أثره وبنائه، أن يضم تاريخًا ثوريًا مشرفًا يفخر به الشعب الفلسطيني برمته، إذ يحتضن بين جنباته إرث رجل من أهم الرجال الذين مروا في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصر، إرث يتجدد مع ذكرى استشهاد صاحبه ياسر عرفات "أبو عمار".
منزل الزعيم أبو عمار الذي سلمته حركة حماس الى عائلته مساء الثلاثاء الماضي، فاحت من جدرانه عبق الثورة التي تحتفظ بها عبر "بندقية" عرفات المعلقة في صدر المنزل، عدا عن ملابسه العسكرية التي كان يرتديها حتى على كرسي الرئاسة، تركة خلفها عرفات في منزله تعبر عن تاريخ نضاله الطويل.
هذا البيت العتيق بذكرياته وثورته، جدد نهج عرفات وذكّر بإرثه النضالي الكبير، خاصة تلك البندقية التي خاض فيها عباب المواجهة في شوارع بيروت والبدواي، وقاد فيها أشرس مواجهة صمود وتحد في حصار لبنان، تلك البندقية التي تفوح منها رائحة بارود الثورة الممتدة في أزقة وحواري القدس حلم ابو عمار الذي لم يكتمل.
ولا تزال رائحة بارود البندقية تطوف في شوارع الضفة تلك التي أوت جثمان الشهيد الراحل، وخاضت معه بسالة المواجهة في مقر المقاطعة، إذ عاد الجيل الذي نشأ في ظل اوسلوا المرحلة التي استغفر ابو عمار من ذنبها بعدما قاد هذا الجيل انتفاضة القدس، على عكس خلفية الراحل الذي يوصد الباب في وجه الانتفاضة.
كان منزل عرفات طيلة السنوات الثمانية التي اعقبت الانقسام السياسي في غزة، بأيد امينة تزيح عنه غبار المرحلة وأتربة التنازل التي خاضها خلفه، حمت حماس منزل الرئيس وجعلته قبلة للثائرين الحالمين باستكمال الوعد في اقامة الدولة المنشودة على كامل التراب الفلسطيني.
وطاف الفلسطينيون في أرجاء الثورة والتاريخ القريب البعيد، ينظرون في حواضره صورًا وذكريات لا تزال حاضرة في منزله، الذي استلمته حركة فتح وقيادات من فصائل العمل الوطني، كلها اجتمعت على مرحلة الثورة التي قادها عرفات، ولم تهمس ولو ببنت شفة عن مراحل الضياع السياسي في حضرة مقام الثورة والثوار.
منزل الرئيس الذي طبع فيه جبهته الأخيرة ساجدًا سجدة الوداع قبل وفاته بخمس سنوات على الأقل، لم يتسنَ له العودة اليه مجددًا رغم محبته له، بعدما حوصر في مقر المقاطعة وحيدًا متمسكاً بنهج الانتفاضة وانحاز لخيارات أبناء شعبه.
أمر الرئيس يومها الأجهزة الأمنية بحماية ابناء شعبها والدفاع عنهم، فكان منها أبو جندل وعبد المعطي السبعاوي وثابت ثابت، أسماء لن ينساها المحتل ابدًا بعدما اذاقته الويل في المواجهة والمقاومة.
تؤكد فصائل المقاومة بمجملها، أن الرئيس الراحل قدم لها في السنوات الأخيرة الدعم، وأطلق يدها التي قيدت على حين غفلة من الزمان، كي تعود من جديد للبندقية.
نائب رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية، اعتبر تسليم الأمانة بمنزلة حدث اعتباري يدلل على قيمة ورمزية الرئيس ياسر عرفات، مؤكدًا ان ملف اغتياله هو ملف وطني لا يملك أحد ان يغلقه أو يجعله في طي النسيان.
أمّا سها الطويل ارملة الراحل، فأقرت بجميلها وعرفانها لمن حافظ على مرحلة الثورة وحمى قبلة الثوار من الضياع طيلة السنوات الثمانية الماضية.
وعاد منزل الرئيس عرفات وبندقيته الثائرة ليذكر الشعب بما لم ينساه أصلًا، أن الحقوق التي يراوغ الاحتلال في اعادتها لا تعود الا بالبندقية التي لجأ اليها الرئيس مرة اخرى بعدما أيقن ان اسرائيل لا تعرف طريقًا إلى السلام.