ترك قلم الرصاص ينساب من بين اصبعيه حتى استقر بلوحة لـلـ "أنميشن" كتب أسفلها "على قدر حلمك تتسع الأرض" فخريف هذا العام لم يبدأ بتساقط الأوراق بالنسبة للفنان المقعد محمد يونس الدلو حيث أثمر خريفه على غير العادة لينتج أول معرض أنمي (الرسوم الكرتونية) على مستوى قطاع غزة!
السبابة والابهام فقط تتحركان من جسده الصغير الذي أصابه ضمور العضلات منذ الولادة، حيث يفرغ من خلالهما ابداعه على تلك اللوحات البيضاء الى أن استطاع بتشجيع من عائلته وأصدقائه أن يقص شريط افتتاح معرضه الأول الذي أقيم في الرابع من الشهر الحالي على أرض قرية الفنون الجميلة غرب مدينة غزة.
لا حدود للعطاء
"إذا لم تستطع أن تكون قدوة للناس فكن عبرة لهم" نصيحة عكس فيها الفنان محمد لسان حاله فجسده الصغير اختزل بداخله طاقة كبيرة من الإرادة والابداع كانت بمثابة عبرة لغيره من أصحاب الاحتياجات الخاصة بأنه لا حدود للعطاء رغم الإعاقة.
لم تخف نظارته الطبية بريق الفرح في عينيه بل ازدادت بريقًا مع فلاش كاميرات ووكالات الأنباء ووسائل الاعلام حيث احتار الدلو الى أي منها سيصوب نظره بعد أن حاصرته من كل مكان الى أن وقع نظره الى "الرسالة".
"اقبال كبير على المعرض من الزوار والمشجعين والأصدقاء وشعور سعادة ليس له مثيل" يقول محمد التي ما فتئت والدته تمسح ذرات العرق المتجمعة على جبينه خلال حديثه الينا لإرهاقه في تجهيزات المعرض وعشرات اللوحات المشاركة فيها.
واصل الفنان الدلو_ في العقد الثاني _ الحديث مع المهنئين والإعلاميين رغم شعوره بالتعب وكأنه يعي الدور الأكبر له فهو من كتب:" أكثر شعور يتألم الانسان منه، الشعور بأنه لا يوجد أحد يحتاجك ولا أحد يهتم بك ".
لم يكن سهلا الحديث الى محمد وقد تزاحمت "المايكات " أمامه على عكس لوحاته التي وزعت على جدران المكان بدقة وجمالية موزونة الا أنه أكد بأن صاحب الإعاقة يستطيع اثبات نفسه كما أي انسان سليم ومعافى جسديًا.
باقات الورد المرتكزة على ظهر الفنان عكست حجم الاقبال الكبير للمعرض حيث لاقى اقبالا كبيرًا وكان ظاهرًا خلال تجول "الرسالة" بين جنباته، فعيون الدهشة كانت جلية على ملامح الزوار.
مساحة حرية
تمرد محمد على اعاقته حتى استطاع أن يحجز لنفسه مساحة واسعة من الحرية وصلت حد التحليق في سماء الابداع ورسم شخصيات كرتونية مفعمة بالأمل كقلب صاحبها المعطاء وان كان جسده محاصر بأطراف لن تنمو يومًا.
محمد استطاع أن يصنع لنفسه حياة خاصة رغم تعرضه لوعكات صحية منعته من اكمال دراسته الثانوية فلم تثنيه الإقامة الجبرية على سرير المرض عن مواصلة الرسم والتمسك به وكأنه العالم الوحيد الذي يشعره من خلاله أنه صاحب بصمة نادرة من نوعها.
علم فلسطين كان حاضرًا بين رسومات الكرتون "الانمي" بين ثنايا لوحاته حيث أكسبتها طابعا فلسطينيا كما هويته التي ينتمي، كما سيلفت انتباه المتجول بين رسومات الفنان حضور لوحات لأفراد المقاومة الفلسطينية الى جانب رسومات كرتونية أبهجت زوار المعرض من الأطفال.
ولأن محمد يدرك أن القطاع يحوي العديد من المواهب التي تحتاج الى حاضنة لهم وجه لهم رسالة مفادها بأن كل انسان لديه بصمة ابداع وعليه أن يستثمرها وينميها متحديًا كل الظروف، منبهًا الى أن الايمان والإرادة القوية أقوى من المرض والاعاقة.