إن تواصل تنفيذ العمليات الفردية بشكل يومي منذ اندلاع انتفاضة القدس يؤكد على نجاحها من جهة، وعلى غضب كبير يعتصر الفلسطيني من جهة أخرى، وبخاصة جيل الشباب منه جراء ما يحدث في القدس، فمسؤولية الدفاع عن الأقصى مسؤولية فردية وجماعية؛ نتيجة عجز التنظيمات عن لجم الاحتلال الإسرائيلي وكف عدوانه عن القدس وشعبنا، بسبب التنسيق الأمني وقدرته على ضرب العمل المقاوم المنظم جراء الملاحقة الدائمة من الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية. وأمام الاعتداءات التي يراها الأفراد والشباب بأعينهم من قبل قطعان المستوطنين على الأقصى، وتغول الاحتلال وقتله المستمر للأبرياء الأمر الذي دفع بأبناء فلسطين أن يقاوموا هذا المحتل بما توفر من إمكانيات فردية بسيطة، كالسكين، والساطور، والسيارة، والقنابل الحارقة، والأكواع المتفجرة.
ومن خلال استعراض أسلحة المقاومة الفردية، يمكن حصر أهم أسلحتها البدائية على النحو الآتي:
1- الحجارة و الزجاجات الحارقة: لجأت جماهير الشعب الفلسطيني في تصديها للآلة العسكرية الإسرائيلية إلى استعمال الحجارة، والزجاجات الحارقة بأنواعها، والإطارات المشتعلة، وكرات الحديد، والقضبان الحديدية، والمسامير وصفائح الصاج، واستخدم الحجر لإقامة الحواجز وإغلاق الطرق وبناء السواتر والمتاريس والكمائن، وإذا كان الأثر المادي لإلقاء الحجر لا يثير في الذهن صورة المعارك الملحمية، فإن رمزية التعبير مثقلة بالمعاني، فهي تمثل قوة التقابل بين الحجر والأسلحة المتطورة التي يملكها عدو يمتلك القنبلة النووية.
2- المقلاع : يعتبر سلاح المقاومة الشعبية في مواجهة الاحتلال وهو سلاح يتكون من قبضة ينبثق منها عمودان على شكل v ، حيث يركب عليهما شريطان مطاطيان تربط بينهما قطعة مربعة على شكل مستطيل تكون غالباً من الجلد، ولاستعماله توضع قذيفة (حجر صغير أو كرة حديدية صغيرة) داخل القطعة الجلدية المستطيلة التي يتم جذبها للوراء لتمديد الشريط المطاطي، ثم يتم إطلاقها لإصابة الهدف من بعيد، ويعتبر المقلاع من أدوات المقاومة الفردية المنتشرة في المواجهات مع قوات الاحتلال على نقاط التماس.
3- السكين : لم يشكل غياب الأداة عائقاً أمام الشعوب في محاربة أعدائها، واحتلت السكين (الخنجر، الشبرية، الموس، السيف) دوراً مهماً في تاريخ الفلسطينيين في محاربة أعدائهم، وقد شكلت هبة البراق لحظة فارقة في تاريخ شعبنا، شعب يواجه آلاف البنادق الإنجليزية والصهيونية والمدرعات والطائرات بالعصي والسكاكين والحجارة، وقد كان لاستخدام السكين الأداة المتوفرة عاملاً مهماً في جعل خسائر العدو أكثر من خسائر الفلسطينيين، فقد قتل بالسكاكين والبلطات 133 صهيونياً وجرح 239 منهم، في حين أن الشهداء كانوا 116 شهيداً و 232 جريحاً قتلوا بالرصاص. ولم تغب السكين في ثورة 1936، فقد كانت السلاح الثالث في عمليات الفلسطينيين داخل المدن في الثورة، وفي عام 1947 وبعد أيام قليلة من إعلان قرار التقسيم، جاءت صورة طعن الصحفي آشر لازار في شارع مأمن الله في القدس، لتحتل صدر الصفحات الأولى في كثير من الصحف العالمية. ولم يغب السكين عن الثورة الفلسطينية في السبعينات والثمانينات، وكان من عمليات السكاكين عملية خالد الجعيدي عام 1986 والذي قتل 3 صهاينة وأصاب رابعاً في عمليات متفرقة بغزة، وقد تكررت العمليات في الانتفاضة الأولى في ظاهرة أطلق عليها ثورة السكاكين بعد عملية الطعن التي نفذها المجاهد عامر أبو سرحان في حي البقعة بالقدس، وتلاها عملية الشهيد رائد الريفي في يافا، والشهيد طلال الأعرج بغزة، وعملية أشرف البعلوجي ومروان الزايغ عام 1990.
وعادت السكين لتحتل دورها الرئيس كأداة فعل مقاوم بعد عام 2010 نظراً لمصادرة الأسلحة ومحاربة العمل المقاوم المنظم من خلال التنسيق الأمني، فقد أدت هذه العمليات حتى نهاية شهر سبتمبر 2015 الى مقتل 15 مستوطناً، وكان أبرزها عملية الطعن في كنيس يهودي عام 2014 التي نفذها الشهيدان عدي وغسان أبو جمل، ومع بداية انتفاضة القدس ترجل الشهيد مهند الحلبي في 3 أكتوبر 2015 بعملية طعن وإطلاق نار بالقدس القديمة فكانت الشرارة لعمليات طعن مستمرة حتى كتابة هذه السطور.
4- الدعس : استخدمت سيارات الفلسطينيين كسلاح مقاوم، فلم تكتفِ بالتنقل بين الشوارع، بل كان أهم أهدافها الدعس، حيث أخذت عمليات الدعس دورها كسلاح يواجه به الفلسطيني غطرسة الاحتلال، وترجع قوة تأثيرها ومدى خطورتها في أنها لا تحتاج إلى تخطيط مسبق، فهي مجرد فكرة لحظية تنبع عند رؤية تجمع الأفراد أو جنود الاحتلال الصهيوني، وعندها يقرر الفلسطيني تنفيذ تلك العملية أو عدم تنفيذها، وفي حال قرر تنفيذها فمن الصعب منع أو إيقاف أفكاره أو سرعة سيارته، وأيضاً ترجع خطورتها في أنها متوفرة لدى شريحة كبيرة من المقدسيين وأبناء الضفة الغربية ولا تشكل خطورة على مالكها، بعكس السلاح والمواد المتفجرة التي يجد المقدسيون عجزاً في توفيرها لأنها شبه معدومة، بالإضافة إلى الخطر الذي سيلحق بمالكها. وأثبتت عمليات الدعس نجاحها وفعاليتها بشكل كبير بعد تكرر عمليات الدعس في أنحاء القدس والضفة الغربية، مما استدعى قوات الاحتلال إلى وضع المكعبات الإسمنتية في الطرقات وتشديد الحراسة برجال الأمن.
أثر عمليات المقاومة الفردية على الاحتلال:
استطاعت العمليات الفردية التي يقوم بها الشباب الفلسطيني بمبادرة منهم وكوسيلة متوفرة على إحداث الفرق وتحييد القدرة الأمنية للعدو والسلطة الفلسطينية في اكتشاف الخلايا العسكرية التي ما فتأت التنظيمات وعلى وجه الخصوص حماس بمحاولة تشكيلها خلال السنوات الماضية، وهكذا عادت العمليات الفردية بوسائلها المختلفة لتشكل علامة فارقة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وعنواناً لانتفاضة القدس، سأناقش في هذا الجزء تأثير العمليات الفردية على العدو الصهيوني، من خلال الجوانب الآتية:
الجانب العسكري
إن من أبرز ملامح المأزق الأمني والعسكري الإسرائيلي هو خلو الضفة الغربية من المطلوبين، والأرض مستباحة ليل نهار لقوات الجيش، ومع ذلك فليس بمقدور الأمن توقع منفذ العملية القادمة، مما جعله يتوق لأيام وجود هرم تنظيمي مترامي الأطراف جعله في السابق يصل لمعلومات أولية عن عملية هنا وهناك، فيقول ضابط في جهاز الشاباك: خطورة عمليات السكاكين أنها استدرجت الإسرائيليين إلى الساحة التي يخشونها، فهي أظهرت عجز مؤسسة الأمن، لأن الشرطة تلقت 25 ألف مكالمة حول شبهات عن وجود حاملي سكاكين في 24 ساعة فقط، أما عاموس هارئيل" المحلل العسكري الإسرائيلي رسم صورة لمواصفات منفذي عمليات الطعن، وهم لم يبلغوا 20 عاماً، بينهم 4 فتيات، ولا يوجد لهم خلفية أمنية، وبعضهم أظهر تمسكاً بالدين، مما يظهر مدى صعوبة مهمة قوات الأمن في إحباط العمليات مسبقاً، فمنفذوها لا يظهرون مؤشرات مسبقة على نواياهم، ومن يطالبون بشن عملية عسكرية لإحباط العمليات يجدون صعوبة في إقناع الجيش بها، فالهجمات التي تستهدفها تعتمد على سكاكين مطبخ.
أما آلون أفيتار" ضابط في الجيش الإسرائيلي، ومستشار حكومي سابق للشؤون العربية: اكتشف "المقاتل" الفلسطيني السكين كوسيلة قتالية ناجعة، قاتلة، شديدة، سهلة المنال والاستخدام، تتجاوز الأسوار والحواجز، السكين، السلاح البدائي، تتوفر للفلسطينيين، تتغلغل لقلب القدس وشوارع المدن، تمس بالإسرائيليين ولابسي البزات، السكين سلاح ليس له حل إحباطي مسبق، ومع غياب الأحزمة الناسفة فالسكين مناسبة.
فيما يتحدث "يوآف ليمور" المراسل العسكري الإسرائيلي: مشاهد هروب الجنود من ساحة عملية بئر السبع، ما زالت تلاحق الجيش بعد مرور أيام عليها، فالصور أظهرت وجود عدد من الجنود المسلحين، بعضهم يخدمون في وحدات قتالية، ولذلك ستبقى هذه الحادثة ذكرى مخجلة في تاريخ الجيش، القادة العسكريون الإسرائيليون يعترفون بعدم امتلاكهم حلاً سحرياً لوقف عمليات الطعن والدهس، وتبدو مفارقة سيئة أن إسرائيل قادرة على إعداد صاروخ "حيتس" المضاد للصواريخ، لكنها تفشل بتأمين سلامة مواطنيها أمام عمليات المقاومة الفردية.
الجانب المعنوي
إن حالة التوتر التي فرضتها العمليات الفردية على الحياة اليومية في الكيان الصهيوني، والتي تمثلت في شل الحركة التجارية وفرضت قيوداً على خروج الناس من بيوتهم، يقول "يانون ميلس" من القناة الإسرائيلية العاشرة: شعور سلبي بين الإسرائيليين بأن حكومتهم عاجزة أمام موجة العمليات هذه الأيام، فليس معقولاً أن تعيش إسرائيل منذ شهر تحت تهديد العمليات، مع إعلان المنظومة الأمنية لعدم امتلاكها حلولاً ميدانية لوقفها، وكأنه كتب على الإسرائيليين أن يعيشوا كل عدة سنوات مع موجة متجددة من العمليات.
ونبه "يوتام داغان" مدير عيادة نفسية في إسرائيل: أن عدد قتلى العمليات الأخيرة أقل بكثير من الانتفاضة الثانية، لكن مشاعر الخوف والقلق في الجمهور الإسرائيلي أكثر بكثير، لأن الخطر هذه المرة يأتيهم من الداخل، من وسط مدنهم، من محال تسوقهم، وبالتالي فقدوا الشعور بالأمن. فيما قال "يوفال باغنو" مراسل إسرائيلي: خلال زياراتي للعيادات النفسية بتل أبيب، لاحظت فئة سكانية ملحوظة ترتادها، وهم الجنود، حيث يزورونها منذ انتهاء حرب غزة، وموجة العمليات هذه الأيام تعود بهم لذكريات الحرب القاسية، ويخشون أن يعودوا قريباً لساحة المعركة مع الفلسطينيين، وكثير منهم ينتظر صدور قرار من الجيش باستدعائهم من الاحتياط في ظل التصعيد الجاري، وتتزايد التقارير الإسرائيلية عن خلو شوارع القدس من اليهود والسياح الأجانب، خشية تزايد عمليات الطعن، والعنوان الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام أورشليم فارغة، ناهيك عن أن حالة الهلع والتساهل في إطلاق النار على كل مشتبه بتنفيذ عملية يسفر عن سقوط قتلى يهود برصاص يهود، في ظل الإرباك السائد، والأمور قد تصبح أكثر خطورة، والوضع الأمني أكبر تعقيداً.
الجانب الاقتصادي
خلال أول أسبوعين فقط من انتفاضة القدس، تكبّد الاحتلال خسائر اقتصادية كبيرة، وقد طالت الخسارة سوق السياحة والسلع وبورصة تل أبيب، وهو ما سيكون له تداعيات على الاستثمار أيضاً، تؤكد التقارير بأن خطر الانتفاضة الحالية يفوق سابقاتها بكثير، فنتيجة للخوف الذي تسببت به المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال، والعمليات الفردية التي نفذت بوتيرة عالية وألحقت خسارات بشرية، لم يعد الإسرائيليون يخرجون إلى الأسواق، وألغى عدد كبير منهم رحلاته إلى القدس والمدن الأخرى، وهو ما أثر على سلوك الاستهلاك وترك المتاجر والحوانيت فارغة إلا ممن يريد شراء أسلحة ومعدات الأمان الشخصي، فبحسب ما نقلت صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية العبرية خلال الأيام الماضية، فإن تدهور الوضع الأمني لدولة الاحتلال أدى إلى انخفاض بنسبة 11% بمجمل المشتريات عن طريق بطاقات الائتمان. ومقارنة بنفس الفترة الزمنية في عام 2014، انخفضت قيمة الشراء عن طريق البطاقات الائتمانية خلال الأسبوعين الماضيين فقط، بما يعادل 55 ألف شيقل، وقد نفذت 21 مليون عملية شراء، مقابل 24 مليوناً في الفترة ذاتها عام 2014م.
وحذّر بروفيسور "آفي بن باست"، مدير وزارة المالية السابق، من أن دولة الاحتلال تواجه "خطر ضرر اقتصادي كبير". وأوضح قائلاً إن آثار هذه الانتفاضة والعمليات التابعة لها أخطر على الاحتلال من الآثار الاقتصادية للانتفاضة الثانية، ويعود ذلك لكون الأحداث الحالية تأتي في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الإسرائيلي تباطؤاً في النمو، وتعاني الاستثمارات من انخفاض حاد، وأضاف بن باست أن الموجة الحالية من زعزعة الأمن سوف توقف استعداد المستثمرين لعمل مشاريع، وذلك سيلحق ضرراً بالاقتصاد لسنوات طويلة. فعلى سبيل المثال، من جراء الانتفاضة الثانية انخفضت نسبة الاستثمارات في الأراضي المحتلة بنسبة 17%، وهو ما أدى إلى ضرر اقتصادي ضخم، فيما قالت الخبيرة الاقتصادية "آيليت نير": إن فقدان الإسرائيليين للأمن انعكس على خروجهم من المنزل، وألحق ضرراً بالمتاجر والأسواق. وأكدت أنه على الرغم من أن صيف 2014 شهد حرباً حقيقية وليس انتفاضة شعبية، فإن الضرر الذي لحق بالسوق الإسرائيلي من جراء الانتفاضة الشعبية التي بدأت منذ أسبوعين ونيّف، أكبر بكثير مما ألحقته الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
في الختام: إن العمليات الفردية في انتفاضة القدس شكلت تحدياً للقدرات الأمنية فيما يتعلق باكتشافها وعدم القدرة على التعامل مع منفذيها بشكل استباقي ووقائي، وقد شكلت في هذه المرحلة فعلاً مقاوماً ومؤثراً وفعالاً ، لكن بالرغم من قدرة العمليات الفردية على ترك أثر كبير على المجتمع الصهيوني وقدرتها على التحرر من سطوة التنسيق الأمني والملاحقة الصهيونية، فإن عمليات المقاومة الفردية وإن خرجت من رحم الحاجة للرد على جرائم العدو وغطرسته، إلا أنه ينبغي الآن البحث وتفعيل أساليب مقاومة أخرى، لأنه لا ينبغي أن تكون هذه العمليات الأداة التي تمارس وحدها في ظل هذا العدوان البربري وحالة التحفز والجاهزية للقتل التي تمارس ضد أبناء الشعب الفلسطيني.