أنهى أوباما خطابه السنوي المطول أمام الأمم المتحدة الشهر الماضي، وأتى على مواضيع شتى ليس من بينها الموضوع الفلسطيني، ففهم العالم أن القضية الفلسطينية باتت لا مكان لها تحت الأضواء، وأنها ألقيت في الزوايا المظلمة، لصالح الاتفاق النووي الإيراني، وخارطة تقسيم المنطقة بعد الاتفاق الذي أجبر موسكو فيما بعد على التدخل العسكري في سوريا.
أنهى أوباما خطابه دون أن يذكر فلسطين، ولم يكن يعتقد أنه بذلك ينهي حقبة من المفاوضات العبثية التي استمرت لنحو 20 سنة عجفاء دامية، لصالح إنتفاضة لإعادة رسم التوازنات.
التقط الفلسطينيون الفرصة الذهبية التي منحها إياهم نتنياهو بتكثيفه الاعتداءات على الحرم القدسي، ومحاولته فرض التقسيم الزماني والمكاني على الحرم الشريف.
فأشعلت مواجهات الحرم القدسي انتفاضة ما بعد التدخل العسكري الروسي، انتفاضة ما بعد الاتفاق النووي، لتفرض نفسها في معادلة رسم التحالفات في المنطقة.
الرئيس عباس ظن مخطئا أن الانتفاضة اندلعت في أعقاب خطابه غير الناري في الأمم المتحدة، وفرح كثيرا بالفزعة الدبلوماسية التي جلبت كيري مرة أخرى إلى المنطقة، ظانا أنه يستطيع إيقاف الإنتفاضة التي لم تندلع بقرار منه.
وعلى هذه الخلفية طالعتنا الأنباء عن طوشة بين (الطيراوي - والعالول) بعد حديث الرئيس أبو مازن بضرورة وقف توجه النشطاء إلى مناطق التماس لعدم سقوط شهداء لأن الدماء التي تسقط في مناطق التماس غير مجدية , حيث يعتقد عباس ان الهبة الشعبية بدأت بتحقيق المطلوب منها وانّ الحراك الدولي والاقليمي الذي تم أعاد القضية الفلسطينية الى صدارة الاحداث .
إلا ان مدير المخابرات السابق توفيق الطيراوي كان له رأي آخر وصدم الجميع بقوله : "من قال اننا نؤثر في الاحداث ؟؟؟ ومن قال اننا نسيطر عليها ؟؟".
الإنتفاضة والهدف
من الخطير جدا أن تترك فصائل المقاومة على كثرتها، للرئيس عباس وفريقه المعزول في مقاطعة رام الله، ليرسم هدف ويضع سقف للإنتفاضة، دون مشاركة الكل الفلسطيني.
فهل انطلقت الإنتفاضة، وارتقى الشهداء، وسقط مئات الجرحى، من أجل تحسين شروط التفاوض، أو إعادة القضية الفلسطينية إلى الأضواء من جديد..!!، كما لا أظن أن شعبنا انتفض فقط لضمان حرية الوصول والصلاة في الحرم القدسي، فالقضية أكبر من ذلك بكثير.
والسكوت على محاولات عباس وأد الإنتفاضة جريمة تتحمل فصائل المقاومة وزر استمرارها، في وقت يتساءل فيه الجميع: لمَ لمْ تلتئم مختلف القوى والفصائل على أرض قطاع غزة المحرر من الضغوط، لتشكيل غطاء سياسي يضع سقفا وطنيا محترما لمطالب الإنتفاضة، سقفا يتناسب وحجم التضحيات والدماء المراقة في مختلف القرى والمدن والمخيمات.
قيادة تشكل غرفة عمليات ميدانية لتنسيق جهود الإنتفاضة وتوزع الأدوار على مختلف المدن والمخيمات في الضفة والضفة والقدس والداخل المحتل، وحتى خارج فلسطين، وتنسق مع مختلف جهات الدعم والاسناد في الداخل والخارج، بمختلف انواعه ومستوياته المادية والمعنوية، السياسية والاعلامية.
قيادة تشكل غرفة عمليات إعلامية لإعلاء القيم الوطنية، كي لا تتيه الإنتفاضة بين المطابخ والفضائيات الإعلامية للفصائل التي تلتزم حتى الآن بخطاب وطني وحدوي نريد له أن يبقى ويستمر.
التمدد الأفقي للإنتفاضة
الناظر لخارطة نقاط المواجهة وعمليات المقاومة، إنطلاقاً وتنفيذا يلحظ وبشكل واضح وجلي أنها تتركز في مدن معينة دون غيرها كالقدس والخليل، وبدرجة أقل نابلس وبيت لحم ورام الله، وبدرجة أقل غزة وجنين وطولكرم وقلقيلية، وبدرجة أقل فاقل باقي القرى والمخيمات التي يشكل اشتعالها عبئا أمنيا كبيرا على الاحتلال، يمكن أن يستنزف الكثير من قواته المتركزة الآن في القدس والخليل، فأين دور الفصائل في تمدد الإنتفاضة أفقيا لتشمل كافة المدن والقرى والمخيمات..!!.
الإنتفاضة والقائد الكاريزمي
رغم ملاحظاتي الكثيرة على القائد الراحل ياسر عرفات، إلا أنني لا استطيع إلا أن اسجل دوره التاريخي والكاريزمي القوي على اندلاع إنتفاضة الأقصى 2000م ومن ثم توجيهها، سواء بشكل مباشر عبر الخطابات الوطنية وكلماته التي لا تنسى، أو عبر الإيعاز إلى قوى وفصائل أخرى ومن بينها حماس لأخذ دورها كاملا في الإنتفاضة، دون الخشية من الملاحقة الأمنية من أجهزة السلطة التي كف عرفات يدها عن المقاومين والمنتفضين.
رغم امتلاك شعبنا بمختلف قواه وفصائله لقادة وكوادر، إلا أن كثير منهم لا يملكوا ما يمتلكه بعض القادة والكوادر من كاريزما قيادية، من أمثال القائد الفتحاوي مروان البرغوثي و محمد ضيف ويحيى السنوار الأسير المحرر الذي كان من أوائل قادة عمليات خطف الجنود, وكثير غيرهم خصوصا من الأسرى المحررين أبطال عمليات المقاومة في الانتفاضتين السابقتين، ولا ينقصهم سوى قرار ضمن رؤية تدعمها خطة.
قرار من الفصائل التي ينتمون إليها لتصديرهم لقيادة الجماهير، وتوظيف الكاريزما التي يتمتعون بها في توجيه جنرالات الإنتفاضة الجديدة نحو تحقيق أهداف الإنتفاضة، التي لا يجب أن تقل عن تحرير الضفة والقدس من الإحتلال، وإقامة الدولة.
تفعيل الكتل الخاملة
يقيم في الأردن الشقيق اكثر من ثلاثة ملايين فلسطين، تغلغلوا في المجتمع ووصلوا إلى أرفع المناصب، فكان منهم الوزير والمدير ورجل الأعمال..الخ، إلا إن هذه الكتلة البشرية الكبيرة، ذات القدرات المادية المؤثرة، لم نشهد أي محاولة لتفعيلها باتجاه دعم مؤثر وقوي للانتفاضتين السباقتين، ربما مراعاة للاتفاقات السياسية التي عقدها النظام الأردني مع "إسرائيل" كاتفاقية وادي عربا، وربما لحساسية العلاقة مع النظام الملكي الأردني، الذي يتمتع بحساسية مرتفعة خصوصا تجاه مقولات صهيونية من قبيل أن "الأردن هي فلسطين"، إلا أنه وفي ظل الوضع الدولي الذي يحاول إعادة رسم الكيانات، والذي يلوح بأن الأردن قد لا يبقى خلال العشرية القادمة، بات على الفلسطينيين التفكير جديا بتفعيل هذه الكتل البشرية الخاملة في الأردن وفي لبنان كونهما تحويان أكبر تجمع بشري فلسطيني خارج الحدود الفلسطينية.
على أن يكون هذا التفعيل باتجاه تحقيق أهداف فلسطينية ذات سقف سياسي مرتفع، يتضمن المطالبة بعودة مئات آلاف اللاجئين إن لم يكن الملايين، ففلسطين والأقصى التي يدافع عنها أبناؤها بدمائهم وأرواحهم لا تخص الفلسطينيون تحت الإحتلال وحدهم.
انتفاضة الربيع الفلسطيني
رغم نجاح الدكتاتوريات بإطفاء شمعة الربيع العربي في اكثر من قطر عربي، إلا أن الإنتفاضة الفلسطينية تقول للجميع أننا ورغم الاحتلال الدموي، إلا أن جذوة الربيع ما زالت مشتعلة فينا، وها نحن نصنع ربيعنا، وعليكم النهوض مجددا لاستكمال ربيع الأمة، ولكن بوسائل وآليات مختلفة هذه المرة، تضمن القضاء بشكل بات على الإرث الدكتاتوري البائد.
ربما بات على قوانا الحية المبادرة إلى تشكيل غرف عمليات مساندة للإنتفاضة، كل في البلد الذي يسكن فيه، اسناد معنوي، ثقافي سياسي إعلامي مادي توعوي تعبوي.. الخ، الأمر الذي لابد سيعمل على استنهاض الشعوب العربية للقيام بالمثل لتحقيق أهدافها والإنتصار لقضاياها التي تقع القضية الفلسطينية في مقدمتها، إستكمالا لدور المقاومة الفلسطينية الملهم للكثير من الحراك العربي.