تباعدت نظرات عيون الحبيبين التي لم تجتمع سوى بضع دقائق خلال فترة خطبة استمرت لـ(3 سنوات)، قضاها فارس الأحلام متنقلًا من زنازين السلطة، إلى غياهب المعتقلات الإسرائيلية، وما هوّن عليه وحشة السجن، هي دعوات خطيبته "سيما" المستمرة : "الله يفك أسرك، ويلم شملنا.. راح أستناك للعمر".
حكاية لفلسطينيين من مدينة رام الله، فرّقت بينهما سياسة "الباب الدوّار"، إلّا أنّهما أصبحا بنظر من يعرفهما "روميو وجوليت فلسطين".
"آخر حديثنا قبل اعتقال خطيبي فادي حمد بلحظات، رفع سماعة هاتفه وقال لي الجيش الإسرائيلي بالبيت، ومعه قرار باعتقالي.. شكرًا على صبرك، وأستودعك رب العالمين"، بهذه الكلمات حدثتنا خطيبة فادي -سيما متولي (27 عاما)، وعلامات اللهفة تنبعث كلما ذكرت اسمه عبر الخط الهاتفي.
"فادي وسيما"، أصبحا حكاية أهل المدينة، منذ بدء علاقتهما قبل ثلاثة أعوام، حينما ألبسها محبس الخطوبة، ونسجا الأحلام الوردية معا، واتفقا على أن تزف العروس إلى عريسها بعد ستة أشهرٍ من ذلك التاريخ.
تقول سيما: "تقدّم فادي لخطبتي وشرح لأهلي جميع ظروف اعتقالاته، وحياته التي يقضي معظمها في السجون، فتكريمًا لتضحياته وافقت على أن أشاطره الفرح والحزن".
وفي أوّل جلسة للخطيبين، قال لها: "إذا بدك تتحملي حياتي ربنا يبارك فيك.. ولو ما بتقدري تتحملي الأمر كله بين يديكِ"، فردت عليه: "أنا معك، ولك، وسأقف إلى جانبك ما حييت، فلتعتبرني هدية الله لك".
ميثاق تواعدا عليه معًا في جلستهما الأولى، وعاشا أوّل شهرين في حياة مكللة بالحب بعيدًا عن أعين "السلطة والاحتلال"، لكنّ الأمر اختلف في شهرهما الثالث، حتى توالت رسائل التحذير من (إسرائيل)، وفي مطلع مايو/2013، اقتحمت بيته قوّة عسكرية تابعة للاحتلال الإسرائيلي، وعاثت في المنزل خرابًا، ثم اعتقلته.
تضيف سيما: "اعتقلته (إسرائيل) ثلاث مراتٍ سابقة، وكانت هذه الرابعة، وحكمت عليه بالاعتقال الإداري"، وتشير إلى أنّ خطيبها مكث (26 شهرًا) داخل السجون.
تحطّمت أولى أحلام العاشقين بجمع شملهما في قفص "عش الزوجية"، وانتقال فادي إلى "قفص الاعتقالات الإدارية"، وكلّما زارته سيما، يوصيها بالصبر.
"اعتقالٌ اداري" واجهه فادي بلا أي تهمة، ما حفّز عائلته للرجوع إلى الاحتلال ومعرفة الأسباب، إلّا أن ضابطًا إسرائيليًا أخبر المحامي المنتدب عن السبب بقوله: "نحن لا نريد فادي، ولا توجد عليه أي تهمة بحقه، ولكن السلطة طلبت منا التحفظ عليه فترة في سجوننا". وفق سيما.
مضغت سيما الصبر وهي تنتظر لحظة الإفراج عن خطيبها، لا سيما بعد تأجيل موعد فرحهما. وفي الخامس عشر من تموز لهذا العام أطلق الاحتلال سراحه.
تنسم فادي الحرية، وقرر تحديد موعد زفافه في الثلاثين من أغسطس لهذا العام، إلّا أنّ فرحته لم تكتمل، فقد "عادت سياسة الباب الدوّار بين السلطة والاحتلال"، فأصدرت مخابرات سلطة رام الله أمرًا باعتقاله في السادس عشر من أغسطس.
"حتى شهر الافراج لم أعشه معه سوى بضعة دقائق"، تقول سيما، وتضيف وصوتها المنبعث من سماعة عكس حالة الحزن التي تعيش: "قررنا تأجيل الفرح للمرة الثانية بسبب اعتقاله".
وجّهت مخابرات السلطة لفادي تهمة "امتلاك مواد متفجرة وأسلحة نارية في البيت"، إلّا أن خطيبته التي حضرت لحظة التفتيش نفت ذلك بقولها للضابط: "كنت معكم طيلة فترة التفتيش في البيت، ولم تجدوا شيئًا".
أنزل الضابط رأسه هاربًا من مواجهة سيما، وادّعى أنّهم وجدوا شنطة تحتوي على متفجرات.
تتابع سيما: "فور دخول فادي إلى معتقلات السلطة، أعلن إضرابه المفتوح عن الطعام، والذي استمر لـ(38 يومًا)، حتى أفرج عنه قبل عيد الأضحى بيومين، ونقلناه مباشرة إلى المستشفى لتلقي العلاج".
كانت أولى نظرات فادي فور خروجه من السجن إلى عينا خطيبته سيما، وأوّل جملة استقبلها بها، قوله لها: "الحمد لله أن رزقني ربي بكِ زوجة صالحة وصابرة"، ثم طلب تحديد موعدًا جديدًا لإتمام فرحهما ودخولهما في "عش الزوجية".
بدأت الترتيبات النهائية تأخذ مجراها تحضيرًا لتاريخ (2/10)، وهو الحدث الذي أسمته العائلة "الأبرز في حياتها"، مكللًا بزفاف "فادي، وسيما"، إلّا أنه صبيحة يوم الأربعاء الماضي، توجّهت قوة معززة من جيش الاحتلال على بيت العريس، واعتقلته مرة أخرى.
تأمل سيما أن يكون الاعتقال في هذه المرة "مجرد تحقيق بسيط ويعود عريسها للبيت من جديد، وتكتمل معالم الفرحة"، وتعطيه وعدًا عبر "الرسالة"، لن أندم يومًا على الارتباط بك، وسأنتظرك حتى لو حكموا عليك لـ10 سنوات أو يزيد".
تكمل سيما حديثها: "لم يعد للفرح طعم، فكلما حان وقت زفافنا ينغصون علينا باعتقال فادي، ولو عاد من جديد سأذهب إلى بيته بدون أي فرحٍ أو مراسم زفاف، حتى لا نضع موعدًا ويسرقون بهجته".
وفي صبيحة الخميس المنصرم، وصل العائلة اتصال من المحامي يفيد أنّ ابنهم فادي وصل إلى قسم تحقيق "المسكوبية" في سجن "عوفر"، فسرعان ما زارته سيما، وأخبرتها النيابة أنّ المخابرات الإسرائيلية طلبت توقيفه لـ(15 يومًا) على ذمة التحقيق، لكنّ الأولى رفضت ذلك، مستكفية بـ(8 أيام)، "لأنّ لائحة الاتهامات التي قدمتها المخابرات غير مقنعة".
وعندما عاد الطرفان إلى اللقاء في المحكمة، ربّتت "سيما" على كتف خطيبها قائلة: "لا تقلق بشأن الفرح، وأكثر ما يهمني هو صحتك، وخذ الدواء والفيتامينات، واجعل معنوياتك مرفوعة دومًا، فسأبقى كما عهدتني سندك، وسأنتظرك مهما طال ظلم الاحتلال في اعتقالك".
وما كان من فادي إلّا أن أخبرها بقرار تأجيل الفرح حتى الإفراج عنه، لعلّ الفرحة تكتمل وتصبح فرحتين، خاتمًا حديثه الأخير معها بقوله: "شكرًا يا نبع الحب والوفاء.. أحبك بحجم عذابات السجن".
وكلما راودت "سيما" أفكارُ تأجيل زفافها للمرة الثالثة، تعود بذاكرتها لتسترجع حديث خطيبها لها وهو في سجون الاحتلال: "أستمد قوتي منك، وبصبرك ترفعي من معنوياتي"، فتكتم وجعها وتمسح دمعتها، وتصوم عن الحزن.
وأمّا عن أحاديث أهل البلدة، فدومًا يتداولون حكاية العاشقين، وبعض أصدقائهما وضعوا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تحمل عباراتٍ حب منها "لا أريد الحديث عن علاقات الحب والغرام الأجنبية، فلا تحدثوني عن روميو وجوليت، ولا قيس وليلى، ولا عنتر وعبلة، فلتقرئوا حكاية فادي وسيما وتضربوا فيها المثل".