في ساحة الجندي المجهول بحي الرمال وسط مدينة غزة، ألوانٌ تسرُ الناظرين من مستلزماتِ عيد الأضحى المبارك، إلّا أن عينا العشريني أكرم النحال اكتفتا بالنظر، دونما ارسال اشعاراتٍ لجيبه التي تناجي من شدة العوز.
ابتسامة ترقد على مُحيا النحال عند مقابلته لـ"الرسالة نت"، محاولًا من خلالها إخفاء الضائقة المالية التي يمر بها، نتيجة تعنّت حكومة الحمد الله في صرف راتبه.
سألناه عن أجواء العيد، فقال: "عيد!.. كانت نكهته قبل سنوات، عندما كانت فلسطين بقيادة غير التي ترأسها، فأنا موظف بحكومة غزة السابقة، ولم أتقاضَ راتبًا منتظمًا منذ ما يزيد عن عامٍ ونصف، فكيف سأرسم الفرحة على عائلتي؟".
حديثه الذي كان يسرده وايماءات وجهه التي تتغيّر مع كل جملة، تعكس مدى الحزن الذي يخيّم عليه في ظل أجواء عيد الأضحى المبارك، ومن بين ما تحدث به، أنّ السلفة التي تقاضاها من الحكومة أمس الثلاثاء، خصم منها البنك قرضًا اشترى به ثلاجة كهربائية، وبقي من سلفته الثلثين بمقدار (700 شيكل).
يضيف النحال: "السلفة التي تقاضيتها، بالكاد تكفي لسداد الديون المستحقة، وتوفير ايجار مواصلات الذهاب إلى العمل.. لن أستطيع رسم الابتسامة على وجوه الصغار أو الأرحام من خلال معايدتهم".
حالة النحال لا تختلف كثيرًا عن أكثر من (30 ألف) موظف حكومي من قطاع غزة، تحرمهم حكومة التوافق من حقهم في استلام راتبهم، بدعوى أنهم "غير شرعيين"، منذ تشكيل الحكومة قبل عام ونيف.
ويقايض رئيس السلطة محمود عباس، إعطاء الموظفين الحكوميين رواتبهم، مقابل تسليم "حماس" للمعابر الحدودية، حيث يصر على طرد كل الموظفين الفلسطينيين عن المعابر.
وفي جولة "الرسالة نت" بحي الشيخ رضوان جنوب مدينة غزة، التقت بالمواطن عبد الكريم هنية (30 عامًا)، والذي كان جالسًا برفقة طفليه الصغيرين، فبادرنا بسؤاله عن العيد وأجوائه، حتى ردّ السؤال على طفله البكر محمد، وكانت الإجابة: "العيد ما جاب النا خروف.. فش عيد!".
تبسم هنية ساخرًا، ثم تحدث: "اعتدت في السنوات السابقة على شراء كبش قبل الأضحى بأيام، وعندما يشاهده الصغار يشعرون أنّ العيد زارهم، لكنّ وضعي الآن لا يسمح أن أشتري حتى دجاجة كل أسبوع".
ويضيف: "حكومة الحمد الله ضحّت بنا بدل أن تصرف رواتبنا بانتظام لنضحي في العيد.. كل ما استطعت فعله، شراء بناطيل للولدين، وحلو العيد بأرخص أثمانه، ولم أتمكن أكثر من ذلك".
وأمّا عن السلفة التي تقاضاها هنية أمس –وهو موظف صحة في حكومة غزة-، قال: "دفعت 200$ منها بدل ايجار، وتبقى قرابة 100$، فلن تكفي لبيت مكون من أربعة أفراد، وحاولت الاستدانة من أصدقائي لتغطية أعباء العيد، لكنهم جميعًا في ظروفٍ أشد صعوبة مما أنا فيه".
ورُغم سوء الأوضاع التي يعيشها هنية، إلّا أنّه أظهر كرم ضيافته لـ "الرسالة نت"، ثم أمننّا على إيصال صوته قائلًا :"كلنا في سفينة واحدة، فلا فرق بين موظف مدني أو عسكري، أو ضفة وغزة".
ويبقى أمل الموظفين الغزيين يراودهم في صرف رواتبهم بانتظام، عسى أن تمكث الفرحة على محياهم لفتراتٍ أطول.