"كل شي جايز حتى دلع العجائز"، قالوها في المثل زمان للتعبير عن الاستغراب، رغم أن دلع العجايز لا يستحق كل هذا الاندهاش والاستنكار، فما بال أجدادنا لو عايشوا معنا المشهد التالي:
مجموعة مكونة من ثمانية متضامنين أجانب تضم رجالا ونساء قرروا الاحتجاج أمس على طريقتهم أمام جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، خلعوا ملابسهم بالكامل "ملط"، واصطفوا تارة ووجوههم للجدار، وأخرى وظهورهم له مع محاولة إخفاء بعض أعضائهم بأيديهم، مستعرضين أجسادهم أمام أهلنا في الضفة والتقطوا الصور، وبهذا يمكن أن يفتخر شعبنا بوسيلة جديدة أضيفت للمقاومة السلمية في الضفة إنها "المقاومة المشلحة".
ممنوع أن يتعرض أحد لهؤلاء المتضامنين بالهمز أو اللمز وينبغي ألا نتناول المشهد من زاويته الجسدية المجردة، بل من زاويته التعبيرية التضامنية، التي أغاظت الاحتلال وعرت انتهاكاته في الضفة.
من المؤكد أن الأجهزة الأمنية في الضفة وفرت كل سبل الدعم والحماية للمجموعة حتى تستطيع أن توصل رسالتها، بينما كانت قوات أخرى تطارد وتعتقل غاضبين في جنين خرجوا في مسيرة نصرة للأقصى.
يستطيع عدنان الضميري الناطق باسم الأجهزة الأمنية في الضفة وبشفافية تلامس تلك الأجساد العارية أن يقنعنا بما هو مسموح وممنوع في المقاومة بعد ظهور هذا النموذج وعلى الوجهين "من الأمام والخلف".
الخشية أن يتسع نطاق هذا النوع من المقاومة اتجاه انتهاكات أخرى في الضفة، بحيث يتعرى هؤلاء المتضامنون أمام الحواجز، والشوارع الالتفافية، والكتل الاستيطانية، والأراضي المصادرة، والمواقع العسكرية... وهكذا تصبح "ثورة ثورة حتى آخر سروال".
من المؤكد أن الاعتصام العاري سوف يستثير ويهيج المشاعر الثورية لدى مناضلي: "ازرع ليمون ازرع تفاح ازرع زيتون"، بينما تتعرض مشاعر الإقليم للتبلد والبرودة أمام الانتهاكات التاريخية للأقصى.
لا أفهم كيف يستوعب العالم المشاهد السريالية التي تخرج من فلسطين المحتلة وتعبر عن أشكال وأساليب المقاومة والغضب، فهذه صورة تظهر متضامنين عرايا أمام الجدار العنصري.. وصورة أخرى لجندي يعتدي على سيدة مرابطة في باحات الأقصى... وثالثة لجنود من قوات الأمن الفلسطيني يطاردون شبانا ثائرين في جنين، وآخرون يحرقون صورة للرئيس عباس في مسيرة بغزة احتجاجا على قطع الكهرباء.
هكذا أصبح الحال في زماننا" كل شي سايب في زمن العجايب"