كنت قد تحدثت سابقاً عن نية الصهاينة في تقسيم المسجد الأقصى المبارك زمانياً ومكانياً، وحذرت أنهم سيبدأون بالتقسيم الزماني كما فعوال في المسجد الإبراهيمي في خليل الرحمن، ثم ينطلقون إلى التقسيم المكاني. وابتداء الصهاينة بالتقسيم الزماني لجس النبض عند هذه الأمة الإسلامية، هل ستتحرك لنجدة أقصاها، وصيانة مقدساتها، أم سيكون موقفها كما كان يوم حريق المسجد الأقصى المبارك في آب 1969م ؟! وهاهم الصهاينة يبدأون فعلياً بالتقسيم الزماني، فيحرمون أهلينا في مدينة القدس، والذين هم بجوار المسجد الأقصى المبارك ولا يفصل بينهم إلا باب واحد، يمنعونهم من دخول المسجد الأقصى المبارك من الصباح حتى الساعة الحادية عشرة قبيل الظهر، بل يزيدون الطين بلة عندما يمنعون طلبة وطالبات العلم من دخول المسجد لتلقى العلم، وهم الذين يطلق عليهم طلاب المصاطب في السجد الأقصى المبارك، وبذلك يضرب يهود أكثر من هدف بحجر واحد، فيمنعون العلم، ويفرغون الأقصى ممن يذود عنه من طلبة العلم وطالباته والذين هم المخزون الاستراتيجي في أقصانا وقدسنا للوقوف في وجه الصهاينة واعتداءاتهم ضد المقدسات الإسلامية. فماذا ينتظر المسلمون في جميع أنحاء المعمورة ؟! هل ينتظرون أن يقسم المسجد الأقصى مكانياً حتى يتحركوا التحرك الذي يليق بمقدسات رب العزة والجلال، يضع يهود أيديهم عليها منذ أكثر من أربعة عقود، وعاثوا في الأرض فساداً، فدنسوا المقدسات وقتلوا الرجال والنساء وحرقوا الأطفال وسجنوا الأبطال من النساء والأطفال والشيوخ، وشنوا الاعتداءات الهمجية خلال ست سنوات بثلاثة اعتداءات إجرامية قاموا بهدم البيوت على سكانها المدنيين، مما زاد عدد الشهداء أكثر من (2300) ألفين وثلاثمائة شهيداً، أكثرهم من الأطفال والنساء، ظاناً هذا العدو أن مثل هذه الاعتداءات سوف تجعل شعبنا المرابط والمجاهد يتخلى عما انتدبه إليه ربه سبحانه وتعالى. وهذا لن يكون، وسيبقى شعبنا شوكة في خاصرة الاحتلال الصهيوني وحلقه، لا تجعله يقر ولا يرتاح، ولن يستطيع بإذن الله بلع ما يقضمه من أرضنا، وما يحاول تقسيمه من مقدساتنا. لأن الزمن الذي قام به هذا الاحتلال الصهيوني بما قام به يختلف كثيراً عن الزمن الذي نحن به، فأصبح لشعبنا إعلام يكشف جرائم العدو الصهيوني، ويبين نواياه ومكره الذي يحيكه ليلاً ونهاراً، عبر منتدبين له - للأسف من بني جلدتنا - أولئك الذين يكشف العدو نفسه كل يوم عن تآمراتهم السرية والعلنية، حتى عاد ما تحققه المقاومة لصالح شعبنا، من محاولة لرفع الحصار، وتسريع الإعمار، وفتح المعابر، وحل مشكلة الكهرباء، ورد مظالم الموظفين التي فصلوا نتيجة توجههم السياسي كما يزعمون، أو تلقيهم مرتباتهم التي هي حق لهم لا مراء فيه، نتيجة التزامهم بعملهم الذي يخدم شعبهم ووطنهم، وعمل ميناء بحري ولو كان عائماً، مع ممر بحري آمن إلى أقرب مكان في البحر الأبيض المتوسط، وإعادة بناء مطار غزة الدولي الذي دمره العدو الصهيوني نكاية بشعبنا ومقاومته الباسلة، وكل هذا ما كان ليتحقق إلا بصبر شعبنا الذي احتضن المقاومة، التي رفعت رأسه، وذادت عن حياضه، وأصبح العدو يحسب لها ألف حساب قبل أن يقدم على أي عمل عدائي جديد. ونحن ننتظر أن يكرم الله شعبنا أيضاً في ضفة العياش والهنود والجمالين وكل الأبطال، أبطال انتفاضة السكاكين والمولوتوف والجرافات والسيارات والعمليات الفردية التي توجع يهود ويخشون أن تكون محركة لانتفاضة ثالثة، يعلم العدو الصهيوني أنه تختلف عن سابقتيها قوة وإقداماً وجرأة وتكتيكاً، مع مساندة المقاومة في قطاعنا الحبيب لأهلنا في ضفتنا المباركة. وإن عدم رد شعبنا وهو المنوط به حماية الأقصى من أي تداعيات تقسيمه زماناً أو مكاناً فقد يشجعه يهود على المزيد من جرائمهم، واستمرارهم بتنفيذ مخططاتهم التي بدأوا بتنفيذها على الأرض.
مقال: تقسيمات الصهاينة للمسجد الأقصى والمقاومة
أ.د. سالم سلامة